المقالات

كيفية تعزيز الاقتصاد ... التحدي الأكبر لإيران

كيفية تعزيز الاقتصاد ... التحدي الأكبر لإيران

كيفية تعزيز الاقتصاد ... التحدي الأكبر لإيران
Zarrar Khuhro / The Asian Time - 2018-01-09

يقول المشرّع (روبرت انجرسول): "معظم الرجال يمكنهم تحمل الشدائد، ولكن إذا كنت ترغب في معرفة معدن الرجل حقاً، أعطه السلطة ... فهذا هو الاختبار الأسمى" هذه الكلمات لا تزال حقيقية وواقعية عندما يتعلق الأمر بالأفراد والمؤسسات والدول وحتى الإمبراطوريات الوليدة. وفي أوقات الهزيمة والأزمات يمكن للحكام المهرة استخدام هذه القاعدة لتهدئة الشعوب ودفعهم للصمت. كما يمكنك إقناعهم بأن تلك السلطات لم تكن قوى خارجية شريرة، وأن الأرض الموعودة ستكون كما يرغبون من الآن وصاعداً. ولكن ماذا تقول لهم في أوقات الفوز والنصر؟ وكيف تقنعهم بشد أحزمتهم عندما تعلن ذلك النصر؟

هذه هي المعضلة التي تواجهها الحكومة الإيرانية بالضبط. فإذا كنت تأخذ الأمر من وجهة نظر طويلة ومن شرفة طهران ذاتها، فإن كل شيء سيبدو رائعاً. فمن كونه عدواً مميتاً منذ عام 1980 تحول العراق الآن إلى منطقة نفوذ، وفي سوريا بات بشار الأسد أكثر ارتباطاً من أي وقت مضى منذ بداية الحرب في سوريا، وحزب الله أصبح أكثر صلابة وأشد تأثيراً من أي وقت مضى بعد أن وسع مجاله خارج نطاقه التقليدي في لبنان. أما في أرض الوطن، تبدأ المشاكل والمطالبات والصعوبات.

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، توفي ما لا يقل عن 20 شخصاً خلال احتجاجات واسعة النطاق بدأها الشعب الإيراني، مدفوعاً بالدرجة الأولى بسبب ارتفاع أسعار المواد اليومية، ورفع أصواتهم ضد ما يرونه على أنه فساد على نطاق واسع ونموذج اقتصادي لا يعتني باحتياجاتهم. في حين أن هناك شائعات بأن الاحتجاجات - التي بدأت في مناطق تعتبر معاقل للمتشددين في إيران - كانت تهدف إلى إحراج روحاني (الذي جعل الإصلاح الاقتصادي شعاراً انتخابياً رئيسياً) ولكن سرعان ما أثيرت شعارات تستهدف المؤسسة الدينية القوية والراسخة والمتحكمة في البلاد. ومن الجدير بالذكر أن بعض المتظاهرين رفعوا شعار "ليس غزة وليس لبنان ... وحياتي لإيران" مما يدل على السخط إزاء ما ينظر إليه على أنه تحويل للموارد نحو سياسة خارجية توسعية على حساب المواطنين العاديين فــي إيــران.

هذه هي تكلفة التوسع الإمبراطوري الذي تسعى إليه إيران، إذ أن هذا التوسع لم يكن رخيصا بحال من الأحوال، ففي حين أن الأرقام الدقيقة بعيدة المنال، يبقى ثابتاً ومعروفاً أن إيران قدمت خطوط ائتمان بقيمة 4.6 مليار دولار لنظام الأسد، وهو رقم لا يشمل إمدادات الأسلحة أو المدفوعات للميليشيات المدعومة من إيران للقتال في سوريا، فبحسبة بسيطة يمكن لنا أن نعتبر أن هناك أكثر من 50 ألف عضو ميليشيات يعملون في سوريا، كل منهم يٌدفع له حوالي 300 دولار شهرياً، ماعدا تكلفة التدريب والإمداد. ثم هناك الدعم المقدم لحزب الله والحوثيين ومجموعات أخرى في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وفي كل الأحوال، فإن كل هذا التمويل الخارجي الهائل يقتطع من ميزانية يفترض أن تصرف على الشعب الإيراني الذي يعاني أصلاً في الحصول على لقمة عيشه، والذي بدأ يتساءل الآن لماذا لا تنفق موارد الدولة على رفاهه.

وفي حين ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بعد رفع العقوبات عن إيران، إلا أن مستويات المعيشة انخفضت نسبياً، ولا تزال البطالة بين الشباب قضية ضخمة. حالياً فإن الاحتجاجات الحالية صغيرة ومتناثرة وانتشرت في المدن الصغيرة بالمقارنة مع المظاهرات الضخمة التي جرت في عام 2009 والتي كانت أساسا في المراكز الحضرية الكبيرة، وأتى رد الدولة الإيرانية الجاهز: فهي تتهم المتظاهرين بأنهم عملاء أجانب وأعداء للدولة، على الرغم من أنه كان هناك في الوقت نفسه دعوات للحوار لمعالجة المطالب الحقيقية. وحتى الآن - ومع الحرس الثوري الذي يدعي أنه طرد "الفتنة" - من الواضح أن الأسباب الجذرية للاحتجاج لا تزال بلا معالجة.

بطبيعة الحال، فإن الشيء الذي كانت المؤسسة الإيرانية بحاجة ماسة إليه من أجل تشويه المتظاهرين هو أن تدعمهم الولايات المتحدة علنا وبالشكل الصحيح، وهذا ما فعله البيت الأبيض بالضبط بعد أن ألزم نفسه بدعم المتظاهرين، وهكذا أصبح أعداء إيران التقليديين أبطالا للشعب الإيراني فجأة، إلى جانب رئيس لا يريد لإيراني واحد أن يدخل إلى الولايات المتحدة. وبطريقة نموذجية سعت واشنطن إلى إثارة هذه القضية في جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي بسرعة، حيث تساءلت روسيا عن سبب عدم مناقشة احتجاجات السود في الولايات المتحدة ضمن مجلس الأمن أيضا.

إن الحصول على صورة دقيقة لما يجري في إيران ليس بالمهمة السهلة، إذ أن حلفاء طهران سينظرون إلى هذه الاحتجاجات على أنها مؤامرة ومعارضة من وكالة المخابرات المركزية والموساد التي ستصورها على أنها شرارة ثورة ضمن وسائل الإعلام الفرعية لنشر تلك الآراء. الحقيقة بعيدة المنال كما يبدو، ويبدو أنها تكمن في مكان ما في الوسط. وبالنتيجة كل السياسة المحلية (حتى بالنسبة للإمبراطوريات الطموحة) – بالاقتباس من بعض الحكمة التي تضمنها شعار بيل كلينتون الانتخابي عام 1992 – هي في نهاية المطاف ... الاقتصاد.

ترجمة: المنتدى الإقتصادي السوري