المقالات

جواز السفر السوري ... الأغلى ثمناً، الأسوأ قيمة ً!

جواز السفر السوري ... الأغلى ثمناً، الأسوأ قيمة ً!

جواز السفر السوري ... الأغلى ثمناً، الأسوأ قيمة ً!
المنتدى الاقتصادي السوري - 2018-01-10

Syrian passport ... the most expensive, the worst value

بين عشية وضحاها، وجد (عماد) نفسه مضطراً للحصول على جواز سفر صالح للاستخدام في غضون أسبوع واحد فقط، إذ تمكن من اجتياز كل اختبارات القبول في شركة الاتصالات التركية العملاقة التي أعلنت عن رغبتها في توظيف بعض مهندسي الحاسوب السوريين بشكل خاص لأغراض تتعلق بالخدمات المقدمة للجاليات العربية المقيمة في تركيا، ولكنه اصطدم في النهاية بعقبة الأوراق الرسمية اللازمة لتثبيت عقد التوظيف بشكل قانوني ورسمي، والتي كان أهمها وجود جواز سفر نظامي صالح المدة. ولما كان عماد يملك جواز سفر منتهي المدة، فقد ظن في بادئ الأمر أن المسألة لا تحتاج إلا إلى تجديد هذا الجواز، مما يزيح عن كاهله عبئاً هائلاً في الوقت والــكــلــفــة. طبعاً لم يكن لدى عماد أي فكرة عما ينتظره! والنتيجة أن الحصول على جواز جديد كلفه في نهاية الأمر 1500 دولار أمريكي، ولم يحصل عليه – بالكاد - إلا بعد شهر من التسجيل، بعد أن كاد يخسر تلك الوظيفة التي لطالما حلم بها وسعى إليها ... فما الذي جرى مع عماد؟

في مطلع عام 2017 قرر النظام السوري إلغاء عملية تجديد الجوازات القديمة نهائياً، بحيث يضطر أصحاب الجوازات المنتهية إلى استخراج جوازات جديدة من البداية. وليس هذا فقط، بل حدد رسوم استخراج الجواز العادي بـ 325 دولار أمريكي، بينما حدد مبلغ 825 دولار للجواز المستعجل! القصة لم تقف عند هذا الحد أبداً، فضغط الطلب الهائل على قنصليات وسفارات النظام في بلدان اللجوء المجاورة لسوريا – وهو ضغط مصطنع ومتعمد – أنشأ تلقائياً شبكة من السمسرة والوساطة المرتبطة غالباً بموظفي السفارات والقنصليات أنفسهم لإتاحة الوصول إلى أولئك الموظفين وتقديم طلب الحصول على الجواز، مما أضاف كلفاً زائدة على كلفة الجواز نفسه وصلت إلى الضعف في بعض الأحيان، طبعاً مع المعاملة السيئة والعرقلة المتعمدة وسوء التنظيم وتأخر الجوازات في الوصول إلى أصحابها حتى لو كانت مستعجلة.

لقد عمل النظام السوري منذ بداية الحرب وأزماتها الزلزالية على استغلال قضية جوازات السفر أبشع استغلال، معتمداً على بقائه الطرف الرسمي الوحيد – المعترف به للأسف - والمخول بإصدار الوثائق الرسمية للسوريين في الداخل والخارج، وللأسف لم تُمنح أطراف المعارضة أي حق مماثل ولو جزئياً، وحتى عندما قام الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة – الذي يفترض أنه الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري – بإصدار جوازات سفر جديدة أو تجديد الجوازات القديمة للسوريين، اصطدم بعدة عراقيل إدارية ورسمية في أنحاء العالم جعلته يتراجع فوراً عن هذا الموضوع رغماً عنه.

انفراد النظام السوري بعملية إصدار جوازات السفر، والتزايد الهائل في الطلب على تلك الجوازات إبان مجريات الحرب، جعل النظام يحصل على عائدات هائلة في هذا الصدد، وخاصة بعد قراراته المتتالية التي يرفع فيها تدريجياً كلفة تلك الجوازات، وبالأخص أكثر وأكثر إذا تذكرنا أن حوالي سبعة ملايين سوري تقريباً باتوا خارج سوريا، بينما تشرد أكثر من أربعة ملايين داخل سوريا نفسها، عداك عن الاثني عشر مليوناً الباقين والذين يفكر ربعهم على الأقل في الحصول على جواز سفر حتى ولو لم يستخدمه فعلياً.

بالعودة إلى الوراء قليلاً، بلغ عدد جوازات السفر التي تم إصدارها خلال 2014 مليوناً وخمسمئة ألف جواز من جميع فروع الهجرة والجوازات في المحافظات السورية فقط، ووصل مبلغ الرسوم المستوفاة عن هذه الجوازات إلى نحو ملياري ليرة سورية.بينما سمح للسوريين في الخارج بإصدار جوازات سفر جديدة وتجديد القديمة من السفارات مباشرة مقابل الحصول على مبلغ 400 دولار للجديد و 200 دولار للتجديد، وذلك بعد أكثر من أربع سنوات من المنع، غير أن الأزمة المالية التي عانى منها وقتذاك جعلته يتوصل إلى هذه الطريقة الجديدة في ابتزاز السوريين.

ووصولاً إلى الوقت الراهن، كشفت إدارة الهجرة والجوازات التابعة للنظام أنها حققت أرباحاً صافية من جوازات السفر 180 مليون دولاراً، مشيرة إلى أن عدد الجوازات التي تم تجديدها أو استصدارها وصل إلى أكثر من 75 ألف جواز حتى عام 2016 فيما لا تزال الطلبات ترد من السفارات. وقد قٌدّرت أرباح النظام من جوازات السفر لعام 2017 وحده بنحو أكثر من 41 مليون دولار، وبلغ عدد الجوازات الممنوحة في عام 2017 أكثر من 360 ألف جواز سفر

وهكذا أصبح جواز السفر السوري هو الأغلى في العالم بالنسبة لكلفة إصداره البالغة 325 دولار – وهذا بالنسبة للعادي فقط – وذلك بحسب تقرير لموقع (World atlas) المتخصص، ثم الأسترالي حولي 200 دولار، ثم سويسرا والمكسيك بحوالي 160 دولار. إلا أن تلك الكلفة الفلكية لجواز السفر السوري لا تتأتى من قيمته العالية، ولا من ثقله الدبلوماسي الذي تسنده دولة قوية، بل يأتي بسبب استغلال نظام قمعي حاكم لهذا الأمر منتهزاً فرصة الحرب التي تسبب هو بها في المقام الأول، ومستغلاً السكوت العالمي المريب عن بقائه حتى هذه اللحظة ممثلاً رسمياً لكل المصالح والنشاطات التي يقوم بها السوريون في كل مكان.

الحقيقة أن العكس هو الصحيح، فمقابل الكلفة الهائلة للجواز السوري نجد أنه مصنف كأسوأ جواز في العالم من حيث القيمة! فبحسب موقع (Passport index) تم تصنيف الجواز السوري ضمن الأسوأ في العالم بعد ست سنوات من الحرب، إذ احتل المرتبة الرابعة كأسوأ جواز في العالم، تليه فقط جوازات باكستان والعراق وأفغانستان، بسبب انعدام الدول التي تمنح حامليه تأشيرة دخول، إذ يمكن لحامل الجواز السوري الدخول مباشرة إلى 30 دولة فقط بدون تأشيرة سفر.

يقول عماد في سياق معاناته المأساوية للحصول على جواز سفر من قنصلية النظام السوري في إسطنبول: بعد صدمتي بأن جواز سفري لا يمكن تجديده، واضطراري للحصول على جواز سفر جديد – بل ومستعجل أيضاً -فوجئت بأن سعر دور الدخول الى القنصلية في سوق السماسرة السوداء يبلغ حوالي 300 دولار وأكثر في بعض الأحيان! فلا أحد يستطيع الدخول إلى القنصلية إلا عن طريق مكاتب السماسرة، أما الموقع الإلكتروني لحجز الدور فهو موقع وهمي غالباً ولا تعتمد الحجوزات من خلاله، وبالتالي ليس أمام الشخص سوى دفع هذا المبلغ للدخول الى القنصلية. وعرفتُ لاحقاً بأن المبالغ التي تُدفع للسماسرة مقابل الدور يتم تقاسمها مناصفة مع موظفي القنصلية المرتبطين بوزارة خارجية النظام، والذين لا يقبلون أي مراجع إلا بعد استيفاء حصتهم من المال.

واستطرد عماد قائلاً: بسبب تعنت وتزمت موظفي القنصلية، وتعمدهم تعسير الأمور على المراجعين، اضطررت لحجز دور مرتين، وفي كل مرة اضطررت لدفع مبلغ 350 دولار للسماسرة لكي أنال دوراً وأتمكن من الدخول إلى القنصلية، أي أصبح المبلغ 700 دولار ماعدا كلفة الجواز المستعجل ذاتها والتي تبلغ 800 دولار، وهكذا وجدت نفسي مجبراً لدفع مبلغ 1500 دولار فقط لكي أحصل على جواز سفر رسمي نظامي، والذي كان يفترض أن أستلمه خلال يومين فقط، إلا أنني لم استلمه إلا بعد شهر تقريباً بسبب تأخيرات وتأجيلات وعراقيل سببها سوء الإدارة والتنظيم المتعمد والمقصود في أغلب الأحيان.

هكذا تستمر مأساة السوريين حتى في حصولهم على تلك الوثيقة التي تسمى (جواز السفر)، وذلك بسبب تشردهم في أصقاع الأرض واضطرارهم للترحال بين بلدانها المختلفة، وارتهانهم في الوقت ذاته لنظام لم يكتف فقط بقمعهم وقتلهم وتشريدهم وتدمير مدنهم، بل عمد على استغلال معاناتهم بشتى الطرق لملء خزائنه بالمال الذي لا يذهب غالباً إلا لتغذية آلته الحربية وأجهزته الأمنية وحاشيته المقربة.