المقالات

سلطنة عُمان تنوي المساهمة بتمويل إعادة بناء سوريا

سلطنة عُمان تنوي المساهمة بتمويل إعادة بناء سوريا

سلطنة عُمان تنوي المساهمة بتمويل إعادة بناء سوريا
Aman Madan / The New Arab - 2018-01-02

مع اقتراب الحرب الأهلية السورية من نهايتها بعد ست سنوات من القتال، لم تعد البلاد كما كانت عليه مع نظام الأسد - الذي يدعمه حلفاؤه المتمثلون بروسيا وإيران – والذي يسعى جاهداً الآن للسيطرة على أكبر جزء ممكن من سوريا. وفي حين أنه من المؤكد عدم وجود منتصر واضح في الصراع حتى هذه اللحظة، يجب الاعتراف بمن سيشكل إطار إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع. إلا أن هناك بعض الأمور الواضحة، إذ أن التدخل العسكري الإيراني والروسي إلى جانب قوات النظام سيترجم بوضوح إلى عقود لصالح الشركات الإيرانية والروسية.

ففي مطلع أيلول 2017 وقعت إيران وسوريا اتفاقاً يضمن حقوق إيران في إعادة بناء شبكة الكهرباء في سوريا، وقد تضمنت مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين بناء محطة كهرباء في محافظة اللاذقية الساحلية بسعة 540 ميغاواط. وبينما من المرجح أن تجني روسيا وإيران منافع اقتصادية كبيرة، فإن من المرجح أيضاً أن تستفيد أطراف أخرى غير مستبعدة من إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا، وهي فترة يقدر معظم الخبراء أنها ستستغرق ما لا يقل عن عقد من الزمان، على سبيل المثال تظهر لنا سلطنة عمان التي هي واحدة من دول الخليج وواحدة أيضاً من الدول المجاورة للسعودية التي سعت إلى حشد الموقف العربي تجاه سوريا، فقد تبنت عمان موقفا متناقضاً إزاء الصراع السوري، وقد وضعت نفسها في موقف يتيح لها الاستفادة من إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا.

في مطلع عام 2011 سعت قوى الخليج إلى تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية وفرض عقوبات شديدة على دمشق من أجل شل اقتصادها وبالتالي عزل دمشق على الصعيد الدولي. كان التفكير مزدوجاً في هذا الصدد، ألا وهو زيادة الضغط الدولي على نظام الأسد وتنصيب نظام صديق للخليج. ومن خلال ذلك سعت القوى الخليجية أيضاً إلى قطع ارتباط إيران بالمشرق الذي سهله نظام الأسد تاريخياً، وبالتالي فإن أهمية هذا الهدف لا يمكن أن تكون مبالغة في تفكير القوى الخليجية الكبرى. وعلى الرغم من الجهود المبكرة التي بذلتها القوى الخليجية لعزل سوريا، فإن العديد من الأنظمة العربية تتردد في السير ضمن هذا التيار. إذ أن تجربة الغزو العراقي عام 2003 والتدخل الذي قادته منظمة حلف شمال الأطلسي مؤخراً في ليبيا، جعلت دولاً مثل العراق ولبنان والجزائر تعاكس رؤية الخليج تجاه سوريا، وكانت عمان أيضاً واحدة من تلك الـــــدول.

وتوقعت سوريا ان تعارض عمان التصويت لوقف عضويتها في جامعة الدول العربية. وعلى الرغم من أن عمان لم تعارض الاقتراح، إلا أنها رفضت قطع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، وهي ضربة قوية لقوى الخليج تسعى للوحدة الإقليمية، وفي عام 2012 عمدت عمان إلى استنكار جهود كل من النظام والمجلس الوطني السوري المعارض بسبب القتال الذي يقسم البلاد ويدمر مؤسساتها. ولعل أهم ما جاء في تصريح وزير الخارجية العماني (يوسف بن علوي) هو إعلانه الرسمي بأن دور عمان في الصراع سيلتزم بشدة بالمساعدات الإنسانية بدلاً من تسليح جماعات المتمردين، مما يكشف عن النهج النفعي التاريخي في عمان إزاء الصراعات الإقليمية، إذ لم تكن عمان مستعدة لشطب العلاقات مع دمشق في حال بقي النظام مــســتــقــبــلاً.

وكانت رغبة عمان في الانفصال عن توافق آراء دول مجلس التعاون الخليجي في ذلك الوقت تمثل استقلالاً جغرافياً سياسياً متزايداً مكنها بنجاح من النأي بنفسها منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويرجع ذلك جزئياً إلى دورها المزعوم كلاعب محايد في المنطقة. في آب 2015 التقى وزير الخارجية السوري وليد معلم نظيره العماني في العاصمة العمانية مسقط، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يسافر فيها أي مسؤول سوري إلى دولة من مجلس التعاون الخليجي للقيام بزيارة رسمية منذ اندلاع الحرب، وهنا من المهم أن نلاحظ أن الزيارة جاءت بناءاً على دعوة من عمان. وفي تشرين الأول من نفس العام، توجه وزير الخارجية العماني إلى سوريا لإجراء محادثات مماثلة مع دمشق، ولكن هذه المرة مع الأسد نفسه، في حين قالت سوريا في ذلك الوقت أنها مهتمة بالتفاوض على إنهاء حربها الأهلية التي استمرت أربع سنوات ونصف العام وقتذاك، بينما كانت عمان تتطلع إلى استعراض عضلاتها الجيوسياسية.

وتشير جميع الدلائل إلى أن تلك المناورة العمانية بخصوص سوريا قد ترجمت إلى مكاسب اقتصادية. وقد قال رئيس مجلس الوزراء السوري (عماد خميس) في آب الماضي لوفد عماني زائر أن أولوية الاستثمارات في سوريا ستعطى لرجال الأعمال من الدول الصديقة والشقيقة التي وقفت مع سوريا في حربها ضد الإرهاب على حد زعمه. وفي تشرين الثاني وقعت سوريا وسلطنة عمان مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الطاقة، مما جعل الشركة السورية العمانية نقطة انطلاق نحو إقامة مشاريع استثمارية أخرى بين البلدين. وذكرت وكالة الانباء السورية (سانا) ان التعاون بين البلدين يسعى الى المساعدة في اعادة الاعمار واعادة بناء المنشآت النفطية المتضررة.

في 30 تشرين الثاني نشرت مجلة القانون السوري - وهي نشرة إلكترونية تغطي المجالات الاقتصادية والقانونية في سوريا - أن رئيس الوزراء خميس قد رحب بالمستثمرين العمانيين في دمشق ومشاركتهم المزمعة في قطاعات النفط والمعادن والموارد السياحية، مما يدل على رغبة دمشق لجعل عمان شريكاً رئيسياً في تطويرها في المستقبل. وبحسب المحلل الأمني (جون أرتيربوري) فإن شراكة عمان مع سوريا لا تقوم على الثقة المتبادلة أو الرؤى الأيديولوجية المشتركة، بل في آفاق تحقيق مكاسب اقتصادية، وقال إن سورية لديها إمكانات محدودة من النفط والغاز، ففي سوريا قبل الحرب، كان النفط جزءاً صغيراً من اقتصادها، والحرب نفسها كانت مدمرة جداً، وسيستغرق الأمر سنوات لاسترداد هذا الجزء الصغير من اقتصادها.

ويقول أرتيربوري إن مساعدة سوريا في موضوع النفط هي مقامرة منخفضة التكلفة بالنسبة لدولة مثل عمان، ومع ذلك فإن شراكة عمان مع سوريا هي أكثر من مجرد علاقة مع سوريا فقط، إذ ترى السلطنة أن علاقتها بدمشق ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمحفظتها الدبلوماسية الأوسع. وقد عززت عمان تاريخياً سياسة الحياد في المنطقة، وتجنبت الدعم الخطابي لجانب معين، ودائماً تبقى تقريباً بعيدة عن الدعم الدبلوماسي الفعال للجهات الفاعلة المشاركة في الصراعات الإقليمية. وفقا لأرتيربوري، فإن هذا يجعل العلاقات الودية مع عمان أمراً جاذباً لدول أخرى.

إن حياد سلطنة عمان وتصورها في المنطقة كممثل غير مبال بما يحدث، يسمح للدول المتصارعة بالوصول إلى قناة سرية، كما هو الحال في عام 2013 عندما سهلت عمان المحادثات السرية بين الولايات المتحدة وإيران فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وبالتالي فإن شراكة عمان مع سوريا تسمح أيضا للدول التي كانت في السابق معارضة شديدة لنظام الأسد بالقدرة على استكشاف فرص الاستثمار سراً في سوريا من خلال عمان كطرف ثالث. كما أدت العلاقات الدافئة مع دول مجلس التعاون الخليجي وإيران إلى فوائد اقتصادية كبيرة. وفي الوقت الذي تبرز فيه عمان كقوة دبلوماسية، قامت كل من إيران والولايات المتحدة - في محاولة لجذب عمان بعيداً عن الأخرى - باتفاقات دفاعية واقتصادية مع تلك الدولة الخليجية.

وقد بحث وزير الخارجية الأمريكي السابق (جون كيري) في زيارة الى مسقط مسألة بيع منظومة صواريخ بقيمة 2.1 مليار دولار بهدف ربط انظمة الدفاع في دول مجلس التعاون الخليجي لاحتواء إيران. وبالمثل سعت طهران عبر الخليج إلى عقد العديد من اتفاقيات الغاز الطبيعي مع مسقط. وهناك سياسة عمانية مماثلة من عدم المواءمة الحذر في سوريا. ووفقا لأرتيربوري، فإن الحياد يمكن أن يكون موقفاً صعباً للحفاظ على أجل غير مسمى، وخاصة في منطقة متقلبة وسريعة التغير مثل شبه الجزيرة العربية الحديثة، لذلك يجب على عمان توخي الحذر في كيفية موازنة علاقاتها. وفي حين يبدو أن القوى الخليجية اعترفت بأن نظام الأسد سيبقى لفترة ما، فإن عدم الاستقرار الشديد الذي لا يزال يهيمن على سوريا يمكن أن يؤدي إلى عواقب سلبية على عمان.

إلا أن إمكانية ذلك لا تزال منخفضة، وتفهم عمان ذلك. ويبدو أن تغيير النظام هو خارج جدول الأعمال للدول الكبرى إلى أجل غير مسمى، ومن غير المرجح فرض عقوبات غربية إضافية في أي وقت قريب، في حين أن الانتقادات المحلية في الداخل رداً على تحالف أقوى مع دمشق هي مصدر قلق قليل للسلطان قابوس. وفي حين أن مواجهات دولة الإمارات العربية المتحدة مع عمان يمكن أن تتحول إلى نزاع دبلوماسي أكبر بين دول الخليج وسلطنة عمان، فإن الانقسامات الأخيرة في وحدة الخليج بسبب الحصار غير المسؤول الذي تقوده السعودية على قطر، تجعل ذلك احتمالاً غير مطروق. واليوم من المسلم به على نطاق واسع أن اقتصاد ما بعد الحرب في سوريا غير مستقر إلى حد بعيد ويزداد تعقيداً، وبالرغم من ذلك فأن عمان - على الأقل في المدى القصير - تبدو عازمة على نيل حصة من مستقبل سوريا.

ترجمة: المنتدى الإقتصادي السوري