المقالات

التفاهم بين إيران ونظام الأسد ... شيء أبعد من مجرد الفكر والسياسة

التفاهم بين إيران ونظام الأسد ... شيء أبعد من مجرد الفكر والسياسة

التفاهم بين إيران ونظام الأسد ... شيء أبعد من مجرد الفكر والسياسة
المنتدى الاقتصادي السوري - 2018-06-06

Iran and Assad basic understanding ...Something beyond the thought and politics

بعد سبع سنوات ونيّف على اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا وما رافقها من معادلات استراتيجية وحروب بالوكالة وأزمات طاحنة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية، وبعد حوالي أربعين عاماً تقريباً من عمر العلاقة الحميمة بين نظامي الأسد في سوريا والملالي في إيران، بعد كل ذلك ... تتكشف يوماً وراء يوم حقيقة العلاقات الوطيدة بين هذين الكيانين، والتي بات واضحاً أنها تتعدى التوافق الأيديولوجي والتناغم السياسي لما هو أبعد من ذلك بكثير... إلى الاقتصاد والمصالح الاقتصادية بكل ما تحويه من زخم وأرقام ودلائل على حقيقة تلك العلاقة الحميمة جداً بين النظامين.

فبعد نصف عقد تقريباً من المساعدات العسكرية الإيرانية - العلنية والسرية - لنظام بشار الأسد، يُفهم على نطاق واسع بأن النظام الإيراني يلعب دوراً رئيسياً على المسرح السوري، لكن وفقاً لدراسة جديدة من مركز (عمران للدراسات الاستراتيجية) وهو مركز أبحاث مقره اسطنبول يركز على القضية السورية، فإن هذا الدعم أوسع بكثير مما هو ظاهر بشكل عام، ولا يشمل المساعدة العسكرية فحسب، وإنما يشمل أيضاً شبكة واسعة من المجالات الاقتصادية والاتصالات السياسية التي تهدف إلى إعطاء النظام الإيراني وجوداً دائماً على أراضي حليفه الإقليمي الرئيسي.

وتلاحظ الدراسة بأن التأثير الإيراني في سوريا غالباً ما يتمثل ظاهرياً بالدعم العسكري، إلا أن ما يسمى بالحرس الثوري الإسلامي الإيراني ومؤسساته المساعدة لم تقدم الدعم العسكري والمالي للنظام السوري فحسب، بل وسعت أنشطتها الإدارية والاقتصادية في سوريا من خلال غرس مؤسساتها وولاءاتها داخل جيش نظام الأسد وأجهزته الأمنية، إضافة إلى الوزارات والهيئات السياسية والمحلية والمنظمات غير الحكومية. فبحلول نهاية العام الماضي، شملت الجهود العسكرية الإيرانية تجنيد المقاتلين الشيعة على نطاق واسع من أماكن مثل العراق وأفغانستان وباكستان، وقامت بتشكيل قوة مساعدة ضخمة تقدر بحوالي 50.000 جندي غير نظامي. وواصلت دولة الملالي نشر هذه القوات المتنوعة إضافة إلى مليشيا (حزب الله) اللبنانية ضمن المسرح السوري لدعم نظام الأسد، كما نجحت في إقامة قواعد عسكرية جديدة جنوب دمشق بالقرب من مرتفعات الجولان والأراضي الفلسطينية المحتلة، واستناداً إلى الصور الجوية للموقع، يعتقد أن هذا القواعد قادرة على استيعاب ما يصل إلى 500 ألف جندي إذا تم حشد كل الإمكانات الإيرانية.

والآن نأتي إلى الناحية الاقتصادية التي هي بيت القصيد في حديثنا هذا، فلقد وقع النظام الإيراني مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية الجديدة خلال العام الماضي حول كل شيء بدءاً من توليد الطاقة وانتهاءاً إلى توزيع المساعدات الإنسانية، حتى أن إيران سهّلت إنشاء مخطط ثلاثي للطاقة الكهربائية يربط اقتصادها وبنيتها التحتية ارتباطاً وثيقاً بخطط كل من سوريا والعراق، وهكذا - وبشكل تراكمي - ستكون هذه الصفقات عاملاً هاماً لجعل طهران لاعباً رئيسياً في اقتصاد سوريا المستقبلي. كما يتوسع الآن نفوذ طهران على عدد من الجهات المجتمعية كذلك، فلقد ساعدت الكيانات التابعة لإيران في بناء المدارس والمستشفيات في جميع أنحاء الأراضي السورية خلال العام الماضي، وأصبحت متدخلة في كل شيء، بدءاً من إزالة الأنقاض إلى حملات التبرع بالدم والأحداث الرياضية ومشاريع تجميل المدن ومخيمات الأطفال، وذلك في عدة مدن على امتداد الأراضي السورية.

هذا النشاط هو انعكاس واضح لما تسعى طهران لتحقيقه في سوريا، فصحيح أن الدعم العسكري من طهران قد ساعد على تحويل ميزان القوى في الحرب السورية إلى كفة نظام الأسد في الأشهر الأخيرة، لكن وجود إيران العلني في سوريا يواجه الآن مشاكل جديدة، بما في ذلك العمل العسكري الإسرائيلي المتواصل ضدها واحتمال تجدد الضغوط الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة، وذلك بعد أن تخلت إدارة ترامب رسمياً عن خطة العمل المشتركة وانسحبت من الاتفاق النووي، وبالمقابل ظلت طهران تعمل على لتوسيع نفوذها داخل سوريا بطرق أخرى اقتصادياً ومجتمعياً.

تمثل سياسات إيران في التغلغل داخل الاقتصاد والمجتمع السوري مشكلة خطيرة للولايات المتحدة، وفي خطابه الذي ألقاه في 21 أيار والذي يوجز سياسة إدارة ترامب الجديدة في إيران، أوضح وزير الخارجية الأمريكي (مايك بومبيو) بأن البيت الأبيض ينظر إلى الخروج الإيراني من سوريا على أنه أولوية إقليمية عليا، وكان من بين المطالب الـ 12 التي حددها الوزير في خطابه مطلب مفاده (يجب على إيران سحب جميع القوات الموضوعة تحت القيادة الإيرانية في جميع أنحاء سوريا) ومع ذلك حتى لو وافقت طهران على مطالب واشنطن وتخلت عن وجودها العسكري في سوريا، فإن الروابط الاقتصادية والاجتماعية التي أقامها نظام الملالي ستضمن بقاء سوريا ونظامها بقوة في مدار إيران، بما سيجعل نظام الأسد بكل مرافقه العسكرية والاقتصادية والسياسية بل وحتى بتركيبته المجتمعية رهينة لدى تلك الدولة المارقة، ومعه سوريا ومستقبلها المجهول للأسف.