المقالات

سورية ولعنة الغاز

سورية ولعنة الغاز

سورية ولعنة الغاز
المنتدى الاقتصادي السوري - 2016-01-20

لم يخطر ببال السوريين يوم خرجوا بمظاهرات سلمية للمطالبة بالحرية والديمقراطية في العام 2011، أن أحلامهم ولدت في لحظة صراع دولي غير معلن للسيطرة على خطوط الطاقة في العالم، حيث تبدو سوريا في هذه اللحظة التاريخية مركز الثقل الأساسي الذي سوف يعيد رسم خريطة الطاقة وبالتالي النفوذ في العالم، ولعل هذا ما يفسر امتداد الصراع والتعقيدات التي ظهرت على المشهد السوري وغياب الحل لحين توصل القوى الدولية والإقليمية المتصارعة الى حلول تضمن مصالحها في المستقبل.

لتحليل أسباب الصراع يجب استعراض الواقع الحالي لخطوط الطاقة في العالم، ونعني تحديدا خطوط الغاز – باعتباره مصدرأً للطاقة النظيفة والتي تسعى أوربا بشكل خاص لاستخدامه كبديل عن النفط خلال السنوات المقبله بعد ان وقعت على إعلان “كويوتو” لخفض الاحتباس الحراري.

تعتبر روسيا اليوم أكبر دولة مصدرة لمصادر الطاقة من النفط والغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي؛ ففي عام 2012، كانت روسيا هي مصدر ما نسبته 25% من واردات الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي، ما شكَّل قرابة الـ60% من صادرات الغاز الروسية. ويتم نقل أكثر من نصف هذه الصادرات من خلال خطوط الأنابيب الأوكرانية الخمسة، أما خطوط الأنابيب الثمانية المتبقية فإنها تمر من خلال الأراضي البيلاروسية لتتجه إلى بولندا وليتوانيا، أو لتتجه مباشرة إلى ألمانيا، وفنلندا، وأستونيا، ولاتفيا، ولنا ان نتخيل مدي النفوذ الذي تتمتع به روسيا في مناطق مرور هذه الانابيب ومدى الضغط الذي قد يقع على صانع القرار في أوربا جراء الاعتماد الكبير على واردات الغاز الروسية،بالرغم من أن العلاقات الطاقوية التي جمعت بين روسيا والاتحاد الأوروبي منذ فترة الحرب الباردة تمتعت بنوع من الأمان، رغم كون الطرفين على خلاف في أغلب الملفات عندما يتعلق الأمر بالسياسة، لكن ذلك لم يمنع المفوضية الأوروبية في العام 2000 من اصدار ورقةً خضراء ترمي إلى لفت الأنظار إلى المستويات المرتفعة للاعتماد الأوروبي على واردات الغاز، وفي عام 2004، قام المجلس الأوروبي بتبني أمر توجيهي تجلّت أهدافه في ضمان مستوى كاف لتأمين إمدادات الغاز، ولاسيما في حالة حدوث انقطاع كبير في الإمدادات، والمساهمة في تحسين سير العمل في سوق الغاز الداخلية،،وبالفعل أدت الصدامات الروسية-الأوكرانية التي دارت في عام 2006 ثم في عام 2009 إلى الانقطاعات الأولى في إمداد أوروبا بالغاز الروسي، وأطلقت من جديد النقاش حول قضية تأمين إمدادات الطاقة لدول الاتحاد الأوروبي.

لقد شكّلت الأزمة الأوكرانية صيحة إنذار مهمة لصنّاع القرار في أوروبا؛ حيث إن 49% من صادرات الغاز الروسية تمر عبر أوكرانيا التي تعاني حاليًا من عجز في إمدادات الغاز. ففي أعقاب الصراع على شبه جزيرة القرم الأوكرانية، لم تكتف روسيا برفع أسعار صادرات الغاز إلى أوكرانيا فحسب، بل هددت بوقف تام لتسليم الغاز إليها إن لم تسدد الديون المترتبة عليهامما قد يهدد بقطع الإمداد الى أوربا وهنا بدأت حرب غير معلنة بين الطرفين لإيجاد خطوط اإمداد بديلة نحفظ مصالح ونفوذ كل منهما.

على الجانب الآخر ومنذ تبني توجيهات المجلس الأوربي 2004، تحركت أوربا ومن ورائها أمريكا وولدت فكرة مشروع خط “نابوكو” والتي تم التوقيع عليها في أنقرة في العام 2009، حيث هدف المشروع إلى ربط احتياطيات الغاز في آسيا الوسطى عبر بحر قزوين بأوروبا من خلال خط أنابيب يعبر بحر قزوين إلى أذربيجان ثم إلى النمسا، دون المرور بروسيا، أي أن مشروع «نابوكو» كان مخططا له أنه بإمكانه في نهاية الأمر أن يوصل الغاز الطبيعي مباشرة من وسط آسيا إلى وسط أوروبا، من دون أن يعبر روسيا، وبحسب دراسات المشروع في بداياته فهو يعتمد أساساً على تصدير الغاز الطبيعي من المزود تركمانستان، التي تملك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم من خلال تمرير خط أنابيب عبر حوض قزوين يحمل غاز تركمانستان إلى أذربيجان دون المرور على الأراضي الروسية، ومنها إلى أرضروم في تركيا ثم سيمر ثلثا خط الأنابيب عبر أراضي تركيا ومن ثم يعبر بلغاريا ورومانيا ثم المجر إلى منتهاه في محطة تجميع ضخمة في النمسا، والتفكير في تشييد هذا الخط كان مبنيا أساساً على استراتيجية حلف الناتو للاستمرار في تحرير جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة من الهيمنة الروسية, وبالخصوص على موارد تلك الجمهوريات وبكسر احتكار روسيا وسائل الإمدادات عن طريق مشروع خط الطاقة نابوكو، الذي بدوره سيقلص اعتماد الاتحاد الأوروبي على إمدادات الغاز الروسية، على أن يتم تسليم الدفعة الأولى من الغاز الى اوربا عبر نابكو في 2014.

واجهت روسيا هذا المشروع بتحركات استراتيجية مدروسة أدت بالفعل الى تجفيف جهات تزويد الخط بالغاز، حيث أثارت خلافا قانونيا حقيقيا يستعصي على الحل بين الدول المطلة على بحر قزوين وهو ماهية الصفة القانونية للمسطح المائي لبحر قزوين في ظل القانون الدولي، تبنت تعريف حوض قزوين على أنه بحيرة متجددة بمياه أنهار الفولجا وبناء على ذلك فالقانون الدولي يعطيها الحق بتقاسم مياهه وثرواته بالتساوي بين الدول المحيطة به كما ينص القانون الدولي على ذلك، هذا المحور من الاستراتيجية الروسية جعل من المستحيل، ليس فقط إنشاء خط أنابيب الغاز عبر حوض قزوين، بل حتى تطوير تركمانستان أو أذربيجان لأية حقول غاز على سواحل حوض قزوين في ظل هذا التعريف، إلى أن يتم الاعتراف به كبحر، وبالتالي فلا حق لأي دولة أخرى مطلة على البحر في حقول النفط والغاز على شواطئ الدول الأخرى المطلة على المسطح المائي، من جهة أخرى دخلت بعقود شراء طويلة الأجل مع أوزبكستان وتركمانستان اكبر منتجين للغاز في وسط أسيا حيث قامت روسيا بشراء كامل إنتاجهما من الغاز في عقد طويل الأجل ينتهي عام 2018، وفي ضوء ذلك انسحبت تلك الدول من أي تعهد لإمداد «نابوكو»، وأعلنت تركمانستان من جانبها أخيرا أنه حتى ولو بعد تطوير حقولها الغازية ووجود فائض في الغاز المنتج عن تلبية تعهداتها لروسيا والصين فلن تبيع الغاز لخط أنابيب “نابوكو”.

اما التحرك الأخير الذي قامت به فهو انشاء خطوط جديدة لنقل الغاز الى أوربا دون المرور باوكرانيا وكان أولها خط ساوث ستريم لنقل الغاز الى اوربا عبر البحر الأسود ومنه الى بلغاريا فأوربا، إلا ان المشروع اصطدم بالخلافات مع صوفيا مما اضطر روسيا الى التحول ألى مشروع السيل التركى (حيث من المفترض ان يتم نقل الغاز الروسى عبر البحر الأسود باتجاه مدينة سامسون التركية ومنها الى انقرة وصولا الى اليونان حيث سيقام لاحقا مجمعا لتوريد الغاز للجنوب الأوربي )، والذي تم تعليقه مؤخرا إثر إصرار تركيا على نخفيض الأسعار من جهة ونشوب الخلاف الحاد بين روسيا وتركيا إثر إسقاط انقرة للطائرة الروسية، إلا ان روسيا على مايبدو مصرة على المضي قدما بهذا المشروع وبأسرع وقت ممكن بالرغم من الخلاف بحسب تصريح وزير الطاقة الروسى مؤخرا لمحطة البي بي سي البريطانية.

بعيدا عن موسكو يوجد دول إقليمية أخرى منتجة ومصدرة للغاز منافسة وعينها تتجه باتجاه أوربا، ربما تكون قطر احداها إذ تعتبر هذه الدولة الخليجية في الوقت الراهن أكبر دولة مصدّرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، و هي ثاني مصدّر للغاز الطبيعي في العالم، رابع أكبر دولة منتجة للغاز الطبيعي الجاف في العالم، بعد كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإيران، وهي تملك كذلك ثالث أكبر احتياطي من الغاز في العالم، أي ما يعادل قرابة ثلاثة أضعاف احتياطي الولايات المتحدة الأميركية.وتتطرح قطر نفسها مصدراً بديلا عن روسيا الى القارة الأوربية، وهذا التوجه يحظى بدعم امريكي وغربي، إلا ان قطر تضطر إلى إسالة الغاز قبل شحنه بحراً الى أوربا مما يؤدي الى رفع كلفة المتر المكعب من الغاز عن نظيره الروسي، في الوقت ذاته فإن بواخر شحن الغاز مضطرة للمرور عبر ثلاث مضائق مائية وهي هرمز وباب المندب وقناة السوبس، وكل منها يقع في مناطق مضطربة وغير مستقرة سياسيا، مما يشكل نقطة ضعف أمام صانع القرار الأوربي، ما دفع قطر الى التفكير بإنشاء خط امداد للغاز يمتد من قطر الى سوريا ومنه الى تركيا ليلتقي خط نابوكو وصولا الى أوربا وهذا ما تعارضه موسكو يشده، وبالتالي عارضه النظام السوري ورفضه حرصا على مصالح الحليف الروسي.

إيران من جهة أخرى هي إحدى الدول المرشحة لأن تلعب دورا قويا في رسم خارطة الطاقة في العالم وخاصة بعد توقيع الاتفاق النووي مع دول (5+1) الكبرى والذي تم التفاق عليه في فيينا في تموز 2015 والذي بالفعل دخل حيز التنفيذ، حيث ستبدأ إيران بالعمل على ضخ كمبات كبيرة من الغاز الخام الى العالم حال إعادة البنى التحتية التي تتيح لها ذلك، حيث تبلغ الإحتياطيات الإيرانية من الغاز الطبيعي حوالي 940 ترليون قدم مكعب أي ما يوازي 15% من الإحتياطي العالمي وهي الثانية في العالم بعد روسيا وتتركز غالبية احتياطيات إيران من الغاز في حقل “بارس” الذي تتقاسمه إيران مع قطر والموجود في مياه الخليج العربي.

بالنسبة لإيران ربما يكون الوضع مختلفا عما هو عليه بالنسبة لقطر فإيران تسعى لمد نفوذها في المنطقة وهي موجودة بقوة على الساحتين السورية والعراقية وتسعى لإن تكون قوة إقليمية في مواجهة دول الخليج وظهر ذلك جليا بالدعم اللامحدود الذي تقدمه لدعم استمرار النظام السوري وإجهاض الثورة السورية وفي خطوة لافتة قامت بها إيران مع بدايات الثورة في العام 2011 حيث وقعت مع كل من النظاميين السوري والعراقي اتفاقية خط الغاز الإسلامي والذي يفترض أن يمر من ايران عبر مياه الخليج الى العراق ومنه الى الموانىء السورية واللبنانية ومنها مستقبلا الى اوربا إذاً فمشروع الخط الإسلامي لا يجعل من بقاء النظام السوري خياراً مهماً بل ضرورة حتمية بالنسبة للجمهورية الإسلامية لتأمين مشروعها الاستراتيجي , ليس فقط من أجل استمرار المشروع في سوريا بل لضمان ايضاً استمرار دور حزب الله السياسي و الأمني في لبنان علي المدي البعيد لمد الخط إلي أوروبا مستقبلاً. لذا فأن أمن إيران الاقتصادي المُهدد بشكل متزايد يجعل من أمن الطاقة في سوريا لدي صناع القرار الإيرانيين مسألة أمن قومي.

وهنا يبرز تضارب المصالح بين كل من قطر وإيران والذي يفسر موقف كل منهما من الثورة السورية، فبالنسبة للدوحة فإن الثورة السورية فرصة مناسبة للإطاحة بمشروع منافستها الإيرانية في سوريا لتلعب دور شبه إحتكاري في تصدير الغاز إلي أوروبا وذلك من خلال دعم الجهود الرامية لاسقاط النظام السوري، حيث سيصبح المجال مفتوحاً بالنسبة لقطر للعب دور أكثر محورية في سوق الطاقة العالمية.

لا يفوتنا أن نذكر أن أمريكا والغرب تسعي لأن يكون الغاز الأيراني هو البديل لملىء انابيب خط “نابوكو” بعد أن جففت روسيا مورديه في آسيا الوسطى كما ذكرنا سابقاً، وخصوصا بعد الاتفاق النووي مع ايران ورفع العقوبات عنها،إلا ان هذا الخيار لايبدو هو المفضل لدى الإيرانيين لإن ذلك سوف يجعل من تركيا منافس ايران الإقليمي العقدة الأهم في توريد الطاقة الى العالم مما سيوسع نفوذها الاقليمى وسيساهم في زيادة النمو في اقتصادها ويعزز دورها عالميا ويرفع حظوظها بالانضمام الى الاتحاد الأوربي، إلا أن هذا الخيار غير مستبعد لدى الإيرانيين.

عامل جديد ظهر على الأرض وهو اكتشافات الغاز الضخمة، الّتي ظهرت أخيراً في منطقة شرق البحر المتوسّط والتي دفعت دوله الى المسارعة بإتّفاقات ترسيم الحدود البحريّة وتشكيل تحالفات في مواجهة الصراعات المحتملة على أعمال التنقيب حيث من المتوقع ان يكون لسوريا حصة من مخزونات الغاز والتي يصعب تفدير حجمها إلا أن روسيا سارعت لتتصدر المشهد، ففي 29 أيلول/سبتمبر 2015، بعد طرح سوريا مناقصتَين للتنقيب عن الغاز في أربع مناطق في مياهها الإقليمية، حصلت شركة Soyuzneftegaz الروسية على امتياز للتنقيب في أحد المناطق الأربعة، كما حصلت على امتياز آخر في البر السوري (المنطقة 12).

خط آخر لنقل الغاز في المنطقة مرتبط بظهور الغاز بشرق المتوسط والذي كان من المقرر له أن يقوم بنقل الغاز من مصر الى الأردن باتجاه كل من سوريا ولبنان وصولا الى تركيا وهو “خط الغاز العربي “والذي سيتم ربطه بشبكات تصدير الغاز الى أوربا والموجودة في تركيا وربما يكون خط نابوكو إحدى هذه الخيارات.

ربما مجمل ما ذكرناه سابقا يرسم صورة واضحة للأهمية الجيواستراتيجية لسوريا بالنسبة للحليف الروسي :

فمن ناحية سوريا مرشحة لأن تكون الممر الرئيس للغاز القطري باتجاه أوربا في حال سقوط النظام السوري، وفي حال صموده فإنها ستكون بالتأكيد ممرا للغاز الإيراني باتجاه اوربا مما سيحرر الأخيرة من الهيمنة الروسية على وارداتها، مع الأخذ بعين الاعتبار خط الغاز العربي الذي سيشكل خطرا على المصاالح الروسية في حال تم ربطه عن طريق سوريا بخطوط امداد الغاز التركية المتجه الى أوربا .

من ناحية أخرى تسعى روسيا الحفاظ على الاستثمارات الروسية في الطاقة داخل سوريا. في المثلث االجغرافي الذي سمّاه بشّار الأسد بـ”سوريا الآمنة” والتي هي عبارة عن منطقة واعدة بالبترول والغاز الطبيعي هي ومياهها الإقليمية في البحر المتوسّط بحسب ما أوضحت كشوف بترولية أمريكية وأوروبية، حيث ان امتياز الاستثمار في مصادر الطاقة السورية حازته روسيا بشكل حصري. عبر شركة “سويزنفت جاز” الروسية التي وقعت عقدًا مع الحكومة السورية يقضي بالتنقيب عن البترول في المياه الإقليمية السورية لمدة 25 عامًا، قبل أن تعلن الشركة ذاتها قبل عدّة أيام عن تخلّيها عن خطط التنقيب لصالح شركة روسية كُبرى أخرى، على الأرجح هي عملاق الطاقة الروسي “غاز بروم”.بالاضافة .الى ان سوريا تضم العديد من الاحواض المنتجة للغاز أهمها حوض تدمر الذي يضم حقل الشاعر الحقل الاضخم في سوريا بالاضافة الى الاحواض الواعدة والممتدة على كامل الاراضى السورية اهما حوض الصحراء السورية والذي يعتبر امتدادا لاكتشاف الشيل الحار (hot shale) في طبقات الحقب القديم والذي يشكل مصدرا ممتازا للنفط والغاز في غرب العراق يتجاوز احتياطيه 20 مليار برميل قابل للإنتاج، وكثر الحديث مؤخرا عن حقل تويتان الواقع جنوب الرقة والذي من المفترض ان يحوي كميات واعدة من الغاز واستثماره من قبل شركات غاز روسية، وربما يفسر الصراع المحموم من كافة الأطراف المتصارعة للسيطرة على منطقة القلمون، أهمية منخفض حمص سواء لجهة الاستكشافات الجديدة للنفط والغاز في هذه المنطقة بالذات او لجهة أهميتها كممر لاي خط غاز مزمع إنجازه.

ولن نخوض كثيرا في الأهمية السياسة والعسكرية التي تمثلها سوريا بالنسبة لروسيا والتي تعتبر الموطأ الأخير لها على المياه الدافئة ووسيلتها الوحيدة لإنشاء منظومة أمنية إقليمية تؤمّن المكاسب الروسية، عبر نشرها لمنظومات الدفاع الجوي المتطوّرة وإنشاء منطقة عزل جوي في المنطقة الواقعة ما بين طهران وبيروت مرورا ببغداد ودمشق في مواجهة إعلان واشنطن مؤخراأنها ستنشر “قريبا جدا” في أوروبا مقاتلاتها من طراز”F-22 Raptor”.

جملة المصالح المذكورة للروس في سوريا تفسر السلوك الروسى منذ بداية الثورة وحتى الأن، ففي البداية اكتفت روسيا بدعم النظام ماديا وعسكريا وبشكل غير معلن في سبيل الحفاظ على النظام والذى سيقضي بالتالي على الحلم القطري بمد أوربا يالغاز، وفي هذا السياق سمحت للنفوذ العسكري الإيراني بالتوغل بشكل كبير على الأراضى السورية والمتمثل بميليشات حزب الله والحرس الثوري الإيراني وميليشيات شيعية أخرى تحارب الى جانب النظام على كافة الجبهات.إلا أن متغيرات جديدة ظهرت على الواقع في النصف الثاني من 2015 دفع روسيا الى إعلان التدخل العسكرى المباشر في سوريا عبر اتفاقية وقعها مع رأس النظام في دمشق في 26 أغسطس 2015 تتيح للروس نشر قوات وطائرات روسية على الأراضي السورية بحجة مكافحة الإرهاب، ويبدو ان توقيع الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب وقرب دخوله حيز التنفيذ من جهة وتراجع القوات النظامية على الأرض وخسارته للعديد من المواقع هو ما دفع الدب الروسي للتكشير عن أنيابه أخيرا والتدخل لحماية مصالحه عسكريا، وهذا السلوك ليس غريبا عن روسيا بالرجوع الى تجربتها السابقة بضم أبخازيا اليها بالقوة للحفاظ على مصالحها في وسط آسيا آنذاك.

وبذلك تكون روسيا قد قضت على الأحلام القطرية بمد الغاز الى أوربا بشكل كامل، واحتفظت لنفسها بالزبون الأوربي. من جهة أخرى فإن الوجود الروسي يهدف الى احتواء التوجّه الإيراني لتصدير الغاز إلى أوروبا.بعد رفع العقوبات وسيقطَع الطريق أو يضيّقه على أقل تقدير أمام إمكانية تصدير الغاز الإيراني الحليف إلى دول الاتحاد الأوروبي.وحتى وان فكرت ايران بالتصدير عبر تركيا ، فإن الوجوود الروسي سوف يشكل خطرا على النفوذ الإيراني في المنطقة وبالأخص في سوريا والذي كلف إيران وقتا وأموالاً طائلة وحتى أرواح كثيرة للوصول الى ماوصلت اليه مؤخرا، وكما يبدو فإن روسيا بدأت بتقليم اظافر الحليف الإيراني منذ اللحظات الأولى لدخول قواتها الاراضى السورية.

لكن المشهد يحمل في طياته علامات استفهام كبيرة عن مآلات الصراع في سوريا، فهل ياترى تسعى روسيا كما يروٍج الاعلام الى تقسيم سوريا الى دويلات والانفراد بالدويلة العلوية لتحقيق السيطرة التي تنشدها على شواطئ المتوسط مما سيمكن الروس من إنشاء محطات تصدير لغاز الطبيعي يتحكمون بها بالغاز الوارد الى اوربا ؟وما هو موقف الغرب وأمريكا من هذا التوجه؟وهل ستلجا روسيا لتأمين خطوط إمداد الغاز البرية عبر اتفاقات سرية تعقد مع القوى المسيطرة على الأرض وفى مقدمتها داعش ؟ ما هو مصير خط الغاز العربي في ظل الهيمنة الروسية على شرق المتوسط؟ وما هو موقف الحليف الإسرائيلى من كل مايجري في محيطه وهو المرشح القوي لتصدير النفط الى أوربا مستقبلا؟.

جميعها أسئلة برسم الوقت والمستقبل للإجابة عليها، وألى ذلك الحين تبقى آمال الشعب السوري بالحرية والديمقراطية عالقة وسط زحمة خطوط إمداد الغاز عبر سوريا ، وتبقى آلة الموت تحصد أرواح آلاف السوريين الى أن تتوصل الجهات الفاعلة على الساحة السورية الى حل على قاعدة تضمن المصالح للجميع باستثناء الشعب السوري.