المقالات

المكان الوحيد الذي يعمل في سوريا

المكان الوحيد الذي يعمل في سوريا

المكان الوحيد الذي يعمل في سوريا
By Shadi Martini & Nicholas A. Heras | Foreign Policy - 2018-05-28

The One Place in Syria That Works

كانت الأشهر القليلة الماضية في سوريا هي آخر ما في السلسلة المروعة من الأشهر التي مرت ضمن الحرب السورية، فبعد ما يقدر بـ 511000 وفاة منذ بدء الحرب في عام 2011، أصبح نظام بشار الأسد في الآونة الأخيرة يسيطر على السلطة ويطبق أقصى قدر من الضغط على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جميع أنحاء البلاد. تعرض المدنيون للهجوم، بما في ذلك الأسلحة الكيماوية، وتم قطع طرق المساعدات الإنسانية، كما أن تزايد المشاركة الخارجية من روسيا وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب العديد من الدول الأخرى يوحي بأن الصراع سوف يزداد بشكل أكبر وأسوأ.

ومع ذلك هناك جيب واحد في سوريا بقي هادئاً نسبياً، رغم الاضطرابات المحيطة به، ألا وهو جنوب غرب سوريا - ولا سيما محافظة القنيطرة على الجانب السوري من مرتفعات الجولان والمناطق القريبة منها في الجزء الشمالي الغربي من محافظة درعا – إذ شهدت قتالاً أقل بكثير من المناطق الأخرى، كما أن المعارضة المعتدلة كانت أقوى هناك، والجماعات المتطرفة رغم أنها حاضرة ولكن ليس لها اليد العليا، والظروف الإنسانية أفضل بكثير من معظم المناطق الأخرى في سوريا. كما تعد هذه المنطقة مهمة من الناحية الاستراتيجية، حيث تدخل إسرائيل وإيران في منافسة من أجل السيطرة على الجانب السوري من مرتفعات الجولان، وهو موقع محوري لكلا الجانبين لإحكام السيطرة عليه في حالة نشوب نزاع أوسع نطاقاً.

بالنظر إلى المخاطر التي ينطوي عليها ضمان بقاء القنيطرة والمناطق المحيطة بها في درعا خارج سيطرة إيران، وندرة نجاحها الحالي ضمن إدارة المعارضة المعتدلة في سوريا، فإن هذه المنطقة تستحق الدراسة لمعرفة الدروس التي يمكن استخلاصها منها. هناك بعض العوامل المحتملة التي تجعل هذه المنطقة من سوريا فريدة من نوعها، فهناك قرب نسبي من إسرائيل، مما يجعل نظام الأسد أكثر حذراً في التدخل. وقد نجح كل من الأردن والولايات المتحدة وروسيا في إنشاء منطقة تهدئة في المنطقة في تموز الماضي. كما أن القنيطرة والمنطقة المحيطة بها في درعا هي أيضا واحدة من الأماكن القليلة في سوريا حيث لا تزال قوات المعارضة المعتدلة تتلقى دعماً دولياً مما يوفر طبقة إضافية من الأمن ضد العناصر المتطرفة التي تحاول الاستيلاء على السلطة.

ولكن هناك عامل إضافي كان له أهمية حاسمة في الاستقرار النسبي هناك، فالمساعدات المستمرة التي يتم تقديمها من خلال شراكة غير مسبوقة بين المجتمع الدولي والمنظمات غير الحكومية السورية، بما في ذلك الأدوية والمعدات الطبية والغذاء والملابس، تعد بمثابة شريان حياة للسكان المدنيين في هذه المنطقة من البلاد وتمكن المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني. كما أنها تتجاوز المساعدات الإنسانية، مما يزيد من صعوبة تجنيد المنظمات المتطرفة.

وحتى في الوقت الذي تنظر فيه إدارة ترامب بجدية إلى إلغاء تمويل الاستقرار الذي يمكن أن يجعل المجتمعات المعارضة أكثر مرونة في جنوب غرب سوريا، فقد تعاون التحالف متعدد الجنسيات مع المنظمات غير الحكومية السورية من أجل اللاجئين السوريين على جهود الإغاثة الإنسانية فيما عرف بعملية (حسن الجوار) التي من خلالها تم تسليم أكثر من 94 مليون دولار من الغذاء والدواء والملابس وغيرها من الضروريات. كما تمر المساعدات عبر الحدود الإسرائيلية السورية ويتم توزيعها على المنظمات غير الحكومية المحلية، والتي بدورها توزعها على منطقة أكبر من 1.5 مليون شخص في جنوب غرب سوريا. وعلى الرغم من أن معظم المستفيدين من هذه المساعدات هم من الأشخاص الضعفاء الذين هم من السكان الأصليين في هذه المنطقة، إلا أنه هناك أيضًا عشرات الآلاف من السوريين النازحين داخلياً من مناطق أخرى في غرب ووسط سوريا ممن يستفيدون من هذه المساعدة.

منطقة الخدمات هذه في جنوب سوريا -خاصة في القنيطرة على الجانب السوري من مرتفعات الجولان والمناطق القريبة منها في درعا -محاطة بمناطق يسيطر عليها النظام، مما يجعل هذه المساعدات الوحيدة التي تحافظ على السلطة المدنية والمجتمع المدني والحكم والقانون من الانهيار التام. إن المجالس المحلية المنتخبة التي تمثل السكان المحليين للبلديات في هذه المنطقة، والتي تعمل بشكل مستقل أو في منافسة مع أكثر أطراف المعارضة المتطرفة، هي قنوات لتدفق المساعدات إلى هذه المنطقة من سوريا. البديل عن عملية حسن الجوار هو الانهيار السريع للمجتمعات المعارضة، فإما أن يحكمها أطراف متطرفون أو تؤول إلى قوات الأسد التي تقودها إيران.

وأخيرًا فإن المساعدات توفر مظهراً للحياة اليومية العادية، فضلاً عن بذور الاكتفاء الذاتي، التي سيحتاج السوريون إلى الحفاظ عليها إذا أرادت المنطقة الحفاظ على السلام بعد عودة استقرار أكثر ديمومة في النهاية. فعلى سبيل المثال ساعدت عملية حسن الجوار في إنشاء وصيانة المستشفيات والمخابز ومخازن التوفير ومزارع العمل، وهي المؤسسات التي سيحتاجها الاقتصاد السوري في هذه المنطقة على المدى القصير والطويل.

من المهم التأكيد على أن هذه عملية يقودها السوريون وليس الإسرائيليون، وعلى الرغم من أن إسرائيل توفر الارتباط الإقليمي لتدفق المساعدات إلى القنيطرة، فإن السوريين هم الذين يجعلون كل شيء يعمل على الأرض، فالمفتاح في هذه المنطقة من سوريا هو التنسيق الوثيق بين السوريين الذين يعملون على الأرض بأنفسهم بمجرد أن يتم توزيع المساعدات بشكل آمن إلى القنيطرة والمناطق المحيطة بها. إن السوريين المحليين في المعارضة المسلحة المعتدلة وقوات الأمن المحلية والمنظمات المدنية والمجالس المحلية، كلها تعمل بشكل فعال نسبياً لضمان توزيع المساعدات بكفاءة، وبطريقة لا ينتهي بها الأمر في أيدي المتطرفين.

رابط المقال الأصلي