المقالات

كيف يمكن لريادة الأعمال الغذائية وفن تقديم الطعام ان يقاربوا بين اللاجئين السوريين والأتراك؟

كيف يمكن لريادة الأعمال الغذائية وفن تقديم الطعام ان يقاربوا بين اللاجئين السوريين والأتراك؟

كيف يمكن لريادة الأعمال الغذائية وفن تقديم الطعام ان يقاربوا بين اللاجئين السوريين والأتراك؟
Kristin Babbie Kelterborn & Amy Gillett | Next billion - 2018-05-16

How Food Entrepreneurship and Gastrodiplomacy are Bringing Syrian Refugees and Turks Closer?

يسعى أحد رواد الأعمال في (ساو باولو) إلى تحسين جودة الطعام عن طريق إدخال أطباق سورية غير مألوفة إلى المدينة وإظهار الطابع الفريد لمأكولات بلده المميزة عن الطعام الشائع والشرق أوسطي عموماً، أما في (تورنتو) يقدم أحد المطاعم أطباقاً سورية تقليدية مع لمسة عصرية، مثل طبق (المناقيش) المغطى بالأفوكادو، وفي (واشنطن) يقوم طاه من دمشق بتقديم وصفات عائلته من خلال عمل توصيلات للطعام لإظهار الطهاة المهاجرين الناشئين أمام المجتمع. هذه مجرد حفنة من آلاف القصص عن اللاجئين السوريين الذين يبدؤون أعمالاً غذائية في البلدان المضيفة ويشكلون تصورات تلك المجتمعات المضيفة عن ثقافتهم من خلال الغذاء.

في إسطنبول ينتج (محمد بكار) - وهو لاجئ سوري – الأجبان والألبان السورية الخاصة. قبل حوالي ثلاث سنوات ونصف هرب بكار من الحرب في سوريا، حيث كان يعمل مهندسًا كهربائيًا، وكلاجئ في مكان جديد لم تكن الحياة سهلة، ولتحسين وضع أسرته افتتح بكار أعماله الغذائية الخاصة في إسطنبول، وبعد عام ونصف من تأسيسها، نمت أعماله ويمتلك الآن أربعة موظفين فيها. يقول محمد بكار: "إنها أفضل طريقة لكسب المال بالنسبة إلى اللاجئ الذي يعيش في اسطنبول". بدأ الأمر عندما فر السوريون بلادهم على خلفية الربيع العربي الذي اشتعل في تونس ثم انتشر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بدأ الربيع العربي في سوريا في عام 2011، مما أدى في نهاية المطاف إلى حرب أهلية كارثية وانتشار لتنظيم الدولة في البلاد. وبدءاً من شباط 2016 كان حوالي 470000 سوري قد فقدوا أرواحهم في الصراع وأكثر من 6 ملايين نازحين داخلياً.

تستضيف تركيا أكثر من نصف العدد الكلي للاجئين السوريين، فمع حوالي 3.5 مليون لاجئ سوري مسجل في تركيا، وبموجب نظام الحماية المؤقتة في تركيا، يحق للاجئين السوريين الحصول على الخدمات الأساسية مجاناً كالرعاية الصحية والتعليم. في بداية أزمة اللاجئين السوريين كانت تركيا تخطط لاستضافة اللاجئين على المدى القصير فقط، ولا تتوقع أن يطول النزاع في سوريا دون حل لسنوات. وقد شكل حجم اللاجئين الذي لم يسبق له مثيل، وطول مدة إقامتهم غير المتوقعة، تحديات واسع النطاق لتركيا، من التعليم إلى الصحة إلى الفرص الاقتصادية. أحد أكبر التحديات أمام اللاجئين السوريين هو الحصول على وظيفة، إذ يميل اللاجئون السوريون إلى العمل في القطاع غير الرسمي، لذلك لا تعتبر وظائفهم قانونية ولا تأتي بمزايا الضمان الاجتماعي، إضافة إلى أن هذه الوظائف تدفع أجور زهيدة ولديها بيئات عمل دون المستوى، وهنا يبرز مثال محمد بكار في إثبات أن ريادة الأعمال هي الطريق الرئيسي للاجئين السوريين لخلق مصدر رزق مستدام، وتوليد فرص العمل والمساهمة في الاقتصاد التركي.

من جانبه قال (رامي شراق) نائب المدير التنفيذي للمنتدى الاقتصادي السوري في مدينة غازي عنتاب: "تركيا تشجع الاستثمار الأجنبي للغاية، والقوانين المعمول بها لبدء الأعمال التجارية الأجنبية سهلة جداً مقارنة بإجراءات الحصول على تصريح عمل من خلال صاحب عمل ما". يمكن أن يكون إنشاء مشروع تجاري في تركيا خيارًا جذابًا للاجئين السوريين، خاصة بالمقارنة مع البديل المحتمل وهو العمل في القطاع غير الرسمي. وعلى الرغم من السهولة النسبية لإنشاء شركة في تركيا، فإن تأسيس الأعمال أمر صعب في أي مكان، ويواجه السوريون في تركيا تحديًا إضافيًا للقيام بذلك في بلد جديد. على سبيل المثال لم يكن محمد بكار على دراية بالمتطلبات القانونية لتأسيس شركة في تركيا، كما أنه لم يكن يجيد التحدث باللغة التركية. فمثل العديد من مجتمعات اللاجئين، يواجه رواد الأعمال السوريون في تركيا حاجزاً لغوياً كبيراً ولوائح قانونية غير مألوفة، ويواجهون صعوبة في الوصول إلى التمويل والأسواق، ووفقاً لدراسة حديثة أجرتها (Building Markets) بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي السوري، وجدت الدراسة أنه في حين أن 71 في المئة من رواد الأعمال السوريين الذين شملهم الاستطلاع في تركيا كانوا مهتمين بالحصول على دعم الأعمال التجارية مثل التدريب والتوجيه، فإن قلة قليلة منهم حصلت على مثل هذه الخدمات.

ضمن مشروع (لايف) الذي بدأ في عام 2017، اتصل المركز غير الربحي للمؤسسة الدولية الخاصة (CIPE) ومقره واشنطن العاصمة بمبادرة معهد (وليام دافيدسون) للتعليم ومركز تطوير المشاريع الخاصة به للشراكة في المشروع، فوافق المعهد على الانضمام إلى مجموعة من الشركاء المتمركزين في الولايات المتحدة وتركيا لإطلاق مشروع ابتكار سبل العيش من خلال ريادة الأعمال الغذائية (لايف). وينشئ المشروع الممول من قبل وزارة الخارجية الأمريكية اثنين من الحاضنات أو مراكز المشاريع الغذائية، وذلك لدعم اللاجئين والمجتمع المضيف التركي في بناء الأعمال التجارية في قطاع الأغذية.

يقول السيد رامي شراق في هذا الصدد: "إن قطاع الأغذية جذاب للاستثمارات الصغيرة والمتوسطة لأن الطلب على الأغذية السورية - كالخبز السوري مثلاً - مرتفع جداً بين الجالية السورية في تركيا". وتقول (إسراء أرسلان) مديرة المشروع في IDEMA وهي مؤسسة غير ربحية مقرها اسطنبول ومخصصة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية: "إن الثقافات الغذائية التركية والسورية متشابهتان، كما ان الطعام السوري محبوب أيضاً من قبل المجتمعات المضيفة التركية، ومع وجود خطة عمل جيدة وقوية - حتى مع القليل من الخبرة - من المرجح أن عملك سيصمد في قطاع الغذاء أكثر من أي قطاع آخر في تركيا".

من خلال مشروع لايف الذي يستمر لمدة عامين، سيشارك 240 من رواد الأعمال في برنامج لمدة أربعة أشهر في مراكز المشروعات الغذائية - محمد بكار هو عضو في مركز المشاريع الغذائية في إسطنبول - ويقدم البرنامج خدمات دعم ريادة الأعمال الشاملة، وفرصة للمشاركة في منافسة الأعمال التجارية، ومساحة في مطبخ تجاري مشترك، وإمكانية الوصول إلى الإرشاد وتقديم المشورة القانونية والمالية. وسيحضر رواد الأعمال أيضًا فعاليات فن تقديم الطعام ليستخدموا الطعام كوسيط للتبادل الثقافي بين المشاركين.

تقول (جوهانا مندلسون فورمان) الزميلة المتميزة في مركز (ستيمسون) ومديرة برنامج فن تقديم الطعام في المشروع: "إن فن تقديم الطعام له أهمية خاصة في سياق البيئة الحالية في تركيا، وجمع اللاجئين السوريين مع المواطنين الأتراك سيخلق المجتمع ويبني الثقة، فالطعام يلعب دوراً قوياً في المساعدة على سد الفجوات الثقافية من خلال مشاركة وجبة طعام، أو كسرة خبز. إن كلمة (كومباني) بحد ذاتها مشتقة من مفهوم المجيء (كوم) إضافة إلى الخبز (بان)، والسوريون هم عبارة عن شركة في وطنهم الجديد".

تركيا لديها معدل بطالة مرتفع ويتم توظيف حوالي ثلث قوتها العاملة في القطاع الخاص بشكل غير رسمي. ومع دخول البلاد عامها الثامن لاستضافة اللاجئين السوريين، تعد ندرة الوظائف مصدراً للضغط بين المجتمعات المضيفة التركية وهؤلاء اللاجئين. يعيش معظم اللاجئين السوريين في تركيا بين أفراد المجتمع المضيف وليس في المخيمات، وذلك إلى جانب اللاجئين الآخرين والمواطنين الأتراك، وتعتبر المبادرات التي تعمل على دمج اللاجئين السوريين اجتماعياً في هذه المجتمعات وتعزيز التفاهم الثقافي بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة التركية مبادرات هامة وحيوية للغاية.

يهدف مشروع لايف لتعزيز هذا التماسك الاجتماعي من خلال فن تقديم الطعام. والبرنامج متاح لأي شخص، بما في ذلك اللاجئين من دول أخرى والمواطنين الأتراك بالإضافة إلى السوريين. يمر المشاركون من خلال البرنامج كمجموعات ويتعرفون على بعضهم البعض بما في ذلك تقاليدهم وثقافاتهم المختلفة، وتقام فعاليات التبادل الثقافي في مراكز المشروعات الغذائية. وسيتم جمع وصفات مع قصص خلفية مصاحبة من المشاركين ضمن كتاب الطبخ الذي سيصدر عن المشروع.

يقول (مندلسون فورمان): "مع اقتراب شهر رمضان، نخطط لاستضافة فعاليات فن تقديم الطعام في حاضنات ريادة الأعمال الغذائية. حيث يقدم المتدربون اللاجئون وجبات الإفطار أو الوجبات السريعة في المراكز، معطين فرصة للناس لتعلم المزيد عن الثقافات المختلفة والمأكولات وذلك في بيئة محايدة". استقبل مشروع لايف المجموعة الأولى من رواد الأعمال في شباط 2018، والإبداع والرغبة في الابتكار التي أظهرها رواد الأعمال أولئك هي أمر استثنائي، ويظهر إمكانيات اللاجئين السوريين - بالإضافة إلى المواطنين الأتراك واللاجئين الآخرين - في اكتشاف سبل العيش المستدامة كرواد في قطاع الأغذية. من خلال مراكز لايف للمشروعات الغذائية، سترى مهندساً زراعياً يبتكر خط إنتاج جديد من العسل، أو صيدلانياً يقوم بتطوير أطباق طبية، كلهم سيتلقون الدعم اللازم لإطلاق وبناء مشاريعهم في تركيا.

 رابط المقال الأصلي