المقالات

هل أثر اللاجئون السوريون سلباً على الأردن؟

هل أثر اللاجئون السوريون سلباً على الأردن؟

هل أثر اللاجئون السوريون سلباً على الأردن؟
المنتدى الاقتصادي السوري - 2018-05-16

Has the Syrian refugees negatively affected Jordan?

ضمن اجتماع يُعقد في العاصمة الأردنية عمان بين 13-14 أيار 2018، سيناقش باحثو منتدى الأبحاث الاقتصادية في الأردن مسألة تأثير تدفق اللاجئين السوريين على التوظيف والتعليم والإسكان والنتائج الديموغرافية معتمدين على البحث الذي تم تقديمه بشكل أساسي على الموجة الثانية من استبيان هيئة سوق العمل الأردني، والذي تم إجراؤه في أواخر عام 2016 وأوائل عام 2017 من قبل المنتدى نفسه ودائرة الإحصاء الأردنية، ويعد هذا المشروع مسحًا أسريًا تمثيليًا على المستوى الوطني لأول مرة في الأردن. وإلى جانب متابعة الأسر والأفراد الذين تمت مقابلتهم في مسوحات سابقة عام 2010، أضاف المشروع في مسح عام 2016 عينة من 3000 أسرة ضمن المناطق ذات النسبة العالية من غير الأردنيين، وذلك بغية الحصول على عينة تمثيلية من اللاجئين والمهاجرين، للوصول إلى نتائج حقيقية على مدى تأثير اللاجئين على المجتمع الأردني.

منذ عام 2011 عانى الأردن من اختلال الحالة الأمنية في البلدان المجاورة، ما أدى إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة ككل. كانت سوريا هي المنطقة الأكثر اشتعالاً، وهذا أدى إلى تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى الأردن هرباً من نيران الحرب. لم يكن هذا فقط هو ما حصل عليه الأردن من انعكاسات بسبب الحرب السورية، فقد انخفض مستوى السياحة والاستثمار الأجنبي، وتعطلت طرق التجارة إلى سوريا والعراق، مما وضع تحديات وضغوطات خطيرة على الاقتصاد الأردني، والتي تجلت في تباطؤ كبير في النمو الاقتصادي، وانخفاض في معدلات التوظيف بين الأردنيين وزيادة معدلات البطالة.

وفي الوقت نفسه تلقى الأردن مساعدات سخية من المجتمع الدولي لمساعدته في التغلب على التدفق الكبير للاجئين السوريين. كان الهدف من المساعدة هو دعم الأردن وتحويل التحديات إلى فرص، وتوفير الخدمات للاجئين بالإضافة إلى تعزيز قدرة المجتمعات الأردنية على الصمود. ولكن نظرا لضخامة التحدي، فإن هذه الموارد الخارجية لن تكون كافية على الأرجح لحماية المجتمع الأردني بالكامل من العواقب الوخيمة للأزمة.

ولكن (الوثيقة الأردنية) التي أقرت في مؤتمر المانحين لسوريا في لندن في شباط 2016 غيرت الوضع بالنسبة إلى الاقتصاد الأردني بعض الشيء. فرصة الوثيقة الأردنية هي تجربة مساعدات دولية سيُقدم للأردن بموجبها قروض ميسرة وشروط تجارية تفضيلية معفاة من الرسوم الجمركية إلى الاتحاد الأوربي مقابل فتح سوق العمل امام اللاجئين السوريين، ولقد كان هناك تأييد قوي للاتفاق من قبل المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث يرى السياسيون أنه وسيلة لإقناع الملايين من السوريين والذين لجأوا إلى البلدان المجاورة للبقاء في المنطقة من جهة، ومساعدة الحكومات والمجتمعات المضيفة على احتواء أولئك اللاجئين وآثارهم السلبية المحتملة من جهة أخرى.

وقد قامت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بمهمة إثارة الاهتمام بهذا الأمر بين اللاجئين السوريين في المخيمات، ولكن الحماس والاندفاع تجاه هذا الأمر لم يأت بالنتيجة المطلوبة، إذ ظهر عدد قليل من السوريين ممن يرغبون بالعمل في المصانع، وفي نهاية المطاف لم يتم تعيين أي سوريين في المنشآت الأردنية التي تحمست لهذا المشروع. وقالت إحدى سيدات الأعمال التي تملك مصنعاً للمنسوجات في هذا الصدد: "لم يكن الأمر ناجحاً كما تصورنا، وكان من الصعب إقناع السوريين بالعمل في المصانع لأنهم كثيراً ما يحصلون على أموال أفضل في قطاعات أخرى مثل البناء أو المطاعم، الأمر الذي يتطلب التزاما أقل. اما نحت كمنشآت صناعية معنية بتلك الاتفاقية، فلم نستفد شيئاً لأن الاتفاقية تفرض علينا أن يكون 15 بالمئة من كوادرنا هم من اللاجئين السوريين لكي نستفيد فعلاً من ميزات تلك الاتفاقية مع الاتحاد الأوربي".

وعلى صعيد آخر فقد شملت شروط الاتفاقية وضع 1.7 مليار دولار أمريكي في شكل منح على مدى ثلاث سنوات لدعم مشاريع البنية التحتية في الأردن، إضافة إلى إعفاء لمدة 10 سنوات من التعريفات الجمركية للاتحاد الأوروبي للمنتجين في الأردن الذين استوفوا حصة عمل اللاجئين السوريين، مقابل التزام الحكومة الأردنية بإنشاء 200000 فرصة عمل للسوريين. وقد تم حتى الآن إصدار 77000 تصريح عمل للاجئين السوريين في الأردن الذين قدرتهم آخر الاحصائيات بحوالي 660 ألف لاجئ مؤخراً، بعد أن كانوا حوالي 1.3 مليون بحلول عام 2016، حيث انخفض عددهم إلى حد كبير بعد عودة الكثيرين إلى ديارهم إثر الهدوء النسبي الذي ساد مؤخراً في مناطق جنوب سوريا، وهجرة آخرين إلى كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو بعض دول الاتحاد الأوربي عبر برنامج الأمم المتحدة لإعادة التوطين.

(ألكسندر بيتس) وهو رئيس أكاديمي سابق لمركز دراسات اللاجئين في أكسفورد، والذي كانت أبحاثه حول التكامل الاقتصادي للاجئين في أوغندا والدعوة إلى صفقة مؤثرة مماثلة في الأردن، اعترف بأن الميثاق الأردني كان لديه (سجل مختلط) في الممارسة العملية. وأضاف: "اعتقد ان الانجازات في الاردن ايجابية وان لم تصل بعد الى الاهداف الأولى، وأعتقد أنه ارتقاء استثنائي من شأنه أن يكون مصدر للعديد من الدروس حول كيفية إشراك اللاجئين في الأعمال التجارية، وتحويل هذا الأمر إلى سمة ذات تأثير على صنع السياسات في جميع أنحاء العالم".

وفيما يتعلق بالتطورات في سوق العمل، فمن الواضح أن التحديات التي يواجهها الأردنيون قبل تاريخ التدفق السوري، إضافة إلى التدفق الكبير والمتزايد للعمال المهاجرين - معظمهم من مصر - إلى الأردن، قد جعلت نسبة خلق فرص العمل للأردنيين تنخفض بشكل كبير منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي. وإلى جانب تباطؤ الاقتصاد فإن هذا يعني أن معدلات التوظيف بين الأردنيين - والتي هي منخفضة أساساً وفقاً للمعايير الدولية – قد استمرت في الانخفاض ورفعت معدلات البطالة، وهذا ما دفع الحكومة الأردنية إلى زيادة التوظيف في القطاع العام خلال الفترة مابين 2010-2016، وذلك للاستجابة إلى الحاجة الملحة لتوفير الخدمات للاجئين.

وبالرغم من كل ذلك فإن العمال الأردنيين الأكثر فقراً والأقل تعليما والذين يتنافسون مباشرة مع العمال الأجانب للعمل غير الرسمي وغير النظامي في القطاع الخاص هم الأكثر تضرراً. فبسبب انخفاض المؤهلات فإنهم يتمتعون بقدر أقل من الوصول إلى القطاع العام المتوسع حديثاً من جهة، ومن جهة أخرى فقد أصبح توظيفهم أقل جدوى مع الزيادة الكبيرة في الحصة المستخدمة من اللاجئين بشكل غير منتظم، وهذا يمكن أن يعزى مباشرة إلى تدفق اللاجئين السوريين. وتكشف النتائج أن سوق العمل للأردنيين في المناطق التي تحتوي بشكل أكبر على اللاجئين السوريين لم تتأثر أكثر من غيرها في مناطق أخرى. ويبدو أن بعض الآثار السلبية لصدمة إمدادات العمالة التي يمثلها التدفق السوري قد استوعبها العمال المهاجرون بالفعل في الأردن، فمن المرجح أن يتم توظيف هؤلاء العمال المهاجرين بشكل غير رسمي وأن يعملوا لساعات أقل في الأماكن التي يوجد فيها تركيز كبير من اللاجئين السوريين. كل تلك الأسباب السابقة، توضح لنا أن اللوم لا يمكن أن يقع بالكامل على اللاجئين السوريين حيال الوضع الاقتصادي والتوظيف والبطالة في الأردن بشكل عام.

أما فيما يتعلق بنتائج التعليم، فهناك القليل من الأدلة على أن الأردنيين تأثروا سلباً بتدفق اللاجئين السوريين. ويبدو أن السلطات الأردنية قد استوعبت هذا التدفق بإضافة دوام ثان مسائي ضمن المدارس العامة القائمة، وذلك بمساعدة مجتمع المانحين في المناطق التي تحتوي على أعداد كبيرة من اللاجئين، ونتيجة لذلك لا تتأثر إجراءات اكتظاظ الطلاب الأردنيين أساساً بالتدفق. وفيما يتعلق بنتائج السكن، فهناك بعض الأدلة على أن نوعية الإسكان للأسر الأردنية الفقيرة قد تحسنت بسرعة أقل في المناطق المتأثرة بتدفق اللاجئين السوريين، مقارنة بأجزاء أخرى من البلاد، إذ تتنافس هذه الأسر مباشرة مع نوع السكن الذي يبحث عنه اللاجئون السوريون. من ناحية أخرى فقد زادت الأسر الأردنية في النصف الأعلى من توزيع الدخل من جودة مساكنها بشكل أسرع في المناطق المعرضة بشكل كبير للاجئين، مما يدل على أنهم يتجنبون نوع السكن الذي يطلبه اللاجئون. أما من حيث النتائج الديموغرافية، فلا يوجد دليل على أن تدفق اللاجئين السوريين قد أثر على معدلات الزواج أو الخصوبة بين السكان الأردنيين المضيفين.

وبشكل عام، تشير دلالات استبيانات هذا المشروع البحثي الذي أجري مؤخراً إلى أنه في حين تأثر الأردن سلبًا من حيث تدهور الوضع الأمني بين جيرانه وما يرتبط به من اضطرابات اقتصادية، إلا أن تأثير تدفق اللاجئين السوريين في حد ذاته كان محدودًا إلى حد ما. فلقد كان الأردنيون ذوو الدخل المنخفض يخوضون بالفعل قدراً كبيراً من المنافسة من قبل العمال المهاجرين ضمن سوق العمل، ويبدو أن اللاجئين السوريين يتنافسون الآن في هذا المجال نفسه، ويبقى الحل الوحيد الأكثر منطقية كامناً في إدارة تدفقات العمال المهاجرين للتخفيف من الآثار السلبية على الأردنيين ذوي الدخل المنخفض، أما القضية الأخرى التي يبدو فيها الأردنيون متأثرون جداً بتدفق اللاجئين هي في سوق الإسكان، ومرة أخرى يتركز التأثير على الأسر ذات الدخل المنخفض الذين سيحتاجون إلى استهداف دعم الإسكان في المناطق المعرضة بشدة لتدفق اللاجئين. هل أثر اللاجئون السوريون سلباً على الأردن؟ الجواب النهائي هو غالباً: (لا بالتأكيد)! فالوضع الاقتصادي السيء كان موجوداً أساساً قبل مجيء أولئك اللاجئين، ولو نظرنا إلى بعض الجوانب الأخرى للموضوع، لوجدنا أن السوريون قد جلبوا معهم فرصاً كبيرة للأردن بما يرافقهم من دعم دولي وتنشيط للسوق وفتح آفاق جديدة ربما لم تكن لتنفتح لولا مجيئهم.