المقالات

لماذا كانت سوريا دائماً منطقة استراتيجية؟

لماذا كانت سوريا دائماً منطقة استراتيجية؟

لماذا كانت سوريا دائماً منطقة استراتيجية؟
Armstrong economics - 2018-05-10

Why Syria has always been Strategic?

لطالما كانت سوريا منطقة استراتيجية عبر التاريخ، فقد كان عليك أن تمر عبرها في الطريق بين بابل ومصر، وعندما بدأت التجارة العالمية في الظهور، تم تطوير العلاقات بين الصين والإمبراطورية الرومانية القديمة بالكامل عبر طريق الحرير. كانت التوابل دائما تساوي وزنها ذهبا وحتى خلال العصور الوسطى، كما كان يطلق على المصرفيين اسم (رجال الفلفل) لأن الفلفل كان أكثر قيمة من الذهب!

بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد، قام جنرالاته بتقسيم الأراضي التي احتلها. وبعد معركة (إبسوس) في 301 قبل الميلاد، فاز (سلوكس نيكاتور) - (458-281) قبل الميلاد - بأراضي سوريا. كما قام سلوكس بإنشاء أربع مدن في شمال غرب سوريا، واحدة منها كانت انطاكية، إذ سماها بهذا الاسم تكريما لوالده (أنطيوكس) أو ربما تكريماً لابنه الذي سمي على اسم جده. تأسست هذه المدينة على موقع مختار من خلال وسائل الطقوس، وبحسب ما ورد، فقد تم إعطاء نسر (طائر زيوس) قطعة من لحم الأضاحي، وبالتالي تأسست المدينة على الموقع الذي حط فيه النسر. فعل سلوكس هذا في اليوم الثاني والعشرين من شهر (الأرتيميسيوس) في السنة الثانية عشرة من حكمه، والذي يعادل في العصر الحديث شهر أيار من عام 300 قبل الميلاد.

سرعان ما ارتفعت أنطاكية لتصبح العاصمة السورية، وازدهرت انطاكية بفضل التجارة، فقد بدأ تجار القوافل بجلب البضائع من الصين إلى السوق في أنطاكية، وكانت هذه بداية طريق الحرير في العصور القديمة. كما أن انطاكية استفادت من الحكم الروماني، حيث يذكر المؤرخون أن حريقًا كبيرًا شب في أنطاكية، فقام الإمبراطور (أنتونينوس بيوس) - (138-161) للميلاد - بعرض المساعدة لإعادة إعمار المدينة لأنها أصبحت بوابة إمبراطورية عظيمة في الشرق.

أصبحت أنطاكية ميناءاً تجارياً بالغ الأهمية في العالم القديم. ومع ازدهارها كانت أية كارثة طبيعية كبيرة من شأنها أن تبث الذعر المالي ضمن الشارع المصرفي في روما ذاتها. مثل هذا الذعر المالي ظهر أثناء الزلازل التي ضربت أنطاكية كما هو مسجل في عهد (تيبريوس) - (14-37) للميلاد – و(كاليجولا) - (37-41) للميلاد – و(هادريان) - (117-138) للميلاد – و(ديوكليتيان) - (284-305) للميلاد - كما أعلن حاكمها (بيسينيوس نيجر) - (193-194) للميلاد - نفسه إمبراطوراً خلال تلك الفترة، إلا أنه خسر الحرب ضد منافسه (سيبتيموس سيفيروس) - (193-211) للميلاد - والذي استولى مؤقتًا على أنطاكية، ثم وضعها تحت سيطرة (لوديسيا) كعقاب لها.

وخلال القرن الثالث للميلاد، كانت أنطاكية مدينة الابتكار، إذ تظهر إضاءة الشوارع أيضًا في هذه المدينة خلال القرن الثالث الميلادي، حيث علق القديس جيروم - (345-420) للميلاد - في كتاباته أن عاصمة سوريا القديمة كانت مضاءة في الليل بواسطة مصابيح زيت معلقة فوق الحبال في الشوارع. وبحلول عام 317 للميلاد انتشر هذا الاختراع إلى تركيا. أما الصين فقد ذكرت أنها تضيء شوارعها باستخدام الغاز الطبيعي الذي يتم توفيره من خلال أنابيب البامبو في العصور الوسطى.

الصين - تلك الإمبراطورية الأسطورية للشرق - أصبحت عبر التاريخ غنية بالتجارة مع الإمبراطورية الرومانية، ومع ذلك فإن تاريخ روما الذي ادعى حكم العالم كان يقف في الطرف الآخر من العالم إبان أسرة (هان) الحاكمة في الصين، والتي ادعت أيضًا أنها حكمت العالم. صولجان (ماكسينتوس) هو الصولجان الوحيد الباقي من آثار الإمبراطور الروماني. حيث تُظهر الأرض كدليل على أنها تسيطر - حتى في العصور القديمة - على كل جوانب العالم. هناك كتاب تاريخ لسلالة (تانغ) في الصين يغطي الفترة مابين (618-907) للميلاد، ومع ذلك يذكر النص 17 مرة ما يبدو أنه يشير إلى الإمبراطورية الرومانية، ويصف أيضًا مبعوثًا أرسله الإمبراطور الروماني إلى الصين، حيث تم تسجيل الإمبراطور الروماني على أنه (أنطون) وقتذاك.

إن رواية هذا المبعوث الذي أرسل من روما وزار أسرة هان القديمة تسبق الرحالة الايطالي (ماركو بولو) بأكثر من 1000 سنة، وقد نُسب هذا المبعوث إلى عهد (ماركوس أوريليوس أنطونيوس) - (121-180) للميلاد – حيث أن وفاة ماركوس أوريليوس هي التي ميزت الذروة في الإمبراطورية الرومانية، ونقطة التحول التي تبدأ بانحدار وسقوط الإمبراطورية الرومانية التي انهار نظامها النقدي بعد 72 سنة فقط. أقام هذا المبعوث اتصالا دبلوماسيا في ذروة الإمبراطورية الرومانية التي بدأ انحدارها كارثي، وأي طموحات سياسية اقتصادية لتوسيع مثل هذه العلاقة سوف تموت مع (ماركوس أوريليوس)، ومع ذلك ستواجه كلتا الإمبراطوريتين نفس مصير الغزوات البربرية. فأسرة هان ستسقط في عام 220 للميلاد، حيث تظهر فترة الفوضى المعروفة باسم الممالك الثلاث -(220-280) للميلاد – حيث تم تقسيم الإمبراطورية الصينية الموحدة.

وهناك أدلة دامغة تشير إلى وجود اتصال مباشر بين روما والصين يعود إلى عام 180 للميلاد، ونقطة الاتصال بين الشرق والغرب كانت دائما هي سورياً. كما كانت الصين - ولاتزال - تدعم سوريا بالمال، حيث كان الصينيون يتطلعون إلى البناء على موقع قوة العالم القديم في طريق الحرير التاريخي، ولم تشارك الصين مشاركة فعالة في الحرب الحالية في سوريا عسكرياً ولكنها ضمنت تمويل أهدافها. والآن تحتفظ سورية بعلاقات اقتصادية وثيقة مع روسيا والصين بسبب غباء الغرب الذي بدأ بوقف خط أنابيب للتنافس مع روسيا. وعلى نحو مماثل - على الرغم من كونها عضوًا في منظمة حلف شمال الأطلسي - إلا أن تركيا تتغاضى عن توسيع العلاقات التركية الصينية بالإضافة إلى علاقاتها التاريخية مع روسيا.

قد يبدو الأمر غريباً في الصين، حيث أن الصين لديها صبر في اللعبة مع سوريا أكثر من روسيا. فقد كان على الروس أن يتدخلوا بعد أن كانت الولايات المتحدة تتفق مع قطر للحصول على خط أنابيب عبر سوريا للتنافس مع روسيا لبيع الطاقة لأوروبا، ومن الواضح أن روسيا والصين تكملان بعضهما بعضاً على المسرح العالمي للسياسة، فقد عانى كلاهما من الثورات الشيوعية وهما أهم لاعبين للأمن في ذلك الجزء من العالم، حيث قدمت الصين الأمن الاقتصادي بينما توفر روسيا الأمن العسكري. سوريا هي نقطة التركيز في الشرق الأوسط، حيث تلتقي جميع القوى لأسباب اقتصادية، ويبدو أن هذا هو الطريق المخصص لها لآلاف السنين.

رابط المقال الأصلي