المقالات

حرب النفط ... والصفقة السرية الحمقاء بين الولايات المتحدة والسعودية بشأن سوريا

حرب النفط ... والصفقة السرية الحمقاء بين الولايات المتحدة والسعودية بشأن سوريا

حرب النفط ... والصفقة السرية الحمقاء بين الولايات المتحدة والسعودية بشأن سوريا
F. William Engdahl | Global Research - 2018-03-07

تم اختيار تلك المقالة من أرشيف الحكومة الذي نشر لأول مرة في تشرين الأول 2014، وهي تسلط الضوء على الحرب الجارية في سوريا والأزمة في دول الخليج والمواجهة بين روسيا والولايات المتحدة، وتٌظهر هذه المقالة تفاصيل صفقة جديدة ساخرة وغريبة تماماً تتعلق بسوريا وبما يسمى تنظيم الدولة. وتتضمن تلك الصفقة السيطرة على النفط والغاز في المنطقة بأسرها وإضعاف روسيا وإيران من قبل السعودية التي ستقوم بإغراق الأسواق العالمية بنفط ذو سعر رخيص. وقد أقرت تلك التفاصيل في اجتماع جرى في شهر أيلول بين وزير الخارجية الأمريكي وقتذاك (جون كيري) والملك السعودي. وستكون النتيجة غير المقصودة هي دفع روسيا بشكل أسرع للتحول نحو الصين وأوراسيا.

ومن أشد حالات الغرابة في حملة القصف الأخيرة التي شنتها منظمة حلف شمال الأطلسي على تنظيم الدولة هو أنه مع اندلاع حرب كبيرة في أغنى منطقة للنفط في العالم، كان سعر النفط الخام هابطاً بشكل كبير جداً. ومنذ حزيران عندما استولى ذلك التنظيم على المنطقة الغنية بالنفط في العراق حول الموصل وكركوك، انخفض سعر خام برنت القياسي للنفط الخام بنحو 20٪ من 112 دولاراً إلى نحو 88 دولاراً. إلا أن الطلب العالمي على النفط لم ينخفض بنسبة 20٪، فالطلب على النفط في الصين لم ينخفض، أما في الولايات المتحدة فقد ارتفعت أسهم النفط المحلي بنسبة 21٪.

ما حدث هو أن المملكة العربية السعودية التي هي حليف الولايات المتحدة منذ فترة طويلة داخل أوبك، كانت تغرق السوق بنفط ذو خصومات عالية، مما أدى إلى حرب أسعار داخل أوبك، وكذلك حذت إيران حذوها، واختل البيع في أسواق العقود الآجلة للنفط. يستهدف السعوديون آسيا من خلال تلك الخصومات، وعلى وجه الخصوص الصين التي تعد عميلها الآسيوي الرئيسي، حيث يقال إنها تقدم خامها مقابل 50 دولاراً فقط إلى 60 دولاراً للبرميل بدلاً من السعر السابق البالغ حوالي 100 دولار. إن عملية الخصم المالي السعودي بدورها يتم تنسيقها مع عملية حرب مالية تابعة لوزارة الخزانة الأمريكية، وذلك من خلال مكتبها للإرهاب والاستخبارات المالية، بالتعاون مع حفنة من اللاعبين الداخليين في وول ستريت الذين يسيطرون على تداول المشتقات النفطية. والنتيجة هي الذعر والتخبط في السوق التي تكتسب زخماً يومياً. الصين سعيدة جداً لشراء النفط الرخيص، ولكن حلفائها المقربين - روسيا وإيران - يتعرضون لضربات شديدة جراء ذلك.

ووفقاً لـ (راشد أبانمي) رئيس مركز سياسات المملكة العربية السعودية للسياسات النفطية والتوقعات الاستراتيجية، فإن الانهيار الهائل في الأسعار يسببه السعوديون عمداً، والسبب العام المطالب به هو اكتساب أسواق جديدة في سوق عالمية تعاني من ضعف الطلب على النفط. السبب الحقيقي - وفقا لأبانمي - هو الضغط على إيران بسبب برنامجها النووي، وعلى روسيا لإنهاء دعمها لبشار الأسد في سوريا. وعندما يقترن ذلك بالخسائر المالية في مبيعات الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة إلى أوكرانيا وآفاق خفض الولايات المتحدة لعبور الغاز الروسي إلى سوق الاتحاد الأوروبي الضخم هذا الشتاء مع انخفاض مخزونات الاتحاد الأوروبي، والضغط على أسعار النفط لضرب موسكو ضربة مضاعفة. علماً أن أكثر من 50٪ من إيرادات الدولة الروسية تأتي من مبيعات صادرات النفط والغاز.

ويهدف التلاعب الأميركي السعودي في أسعار النفط إلى زعزعة استقرار العديد من المعارضين القويين للسياسات العالمية الأمريكية. وتشمل الأهداف كلاً من إيران وسوريا الذين يشكلون حلفاءاً لروسيا في معارضة القوى الأمريكية، ومع ذلك فإن الهدف الرئيسي هو روسيا بوتين، التي هي أكبر تهديد اليوم لتلك الهيمنة الأمريكية العظمى. وتتشابه تلك الاستراتيجية مع ما فعلته الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية في عام 1986 عندما غمرت العالم بالنفط السعودي، ودمرت السعر إلى أقل من 10 دولارات للبرميل، مما أدى إلى تدمير اقتصاد حليف الاتحاد السوفييتي آنذاك (صدام حسين) في العراق، وفي نهاية المطاف تدمير الاقتصاد السوفييتي نفسه، مما مهد الطريق لسقوط الاتحاد السوفيتي. واليوم يحدونا الأمل في أن يؤدي انهيار الإيرادات النفطية الروسية -  إلى جانب العقوبات المحددة التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية - إلى إضعاف الدعم المحلي الضخم الذي يقدمه بوتين، وتهيئة الظروف للإطاحة به في نهاية المطاف. وهذا أمر محكوم عليه بالفشل لأسباب كثيرة، ليس أقلها كون روسيا اتخذت خطوات استراتيجية كبرى مع الصين والدول الأخرى لتقليل اعتمادها على الغرب. وفي الواقع فإن سلاح النفط يسرع التحركات الروسية الأخيرة لتركيز قوتها الاقتصادية على المصالح الوطنية وتقليل الاعتماد على نظام الدولار. وإذا ما توقف الدولار عن كونه العملة التجارة العالمية - وخاصة تجارة النفط – فإن وزارة الخزانة الامريكية ستواجه كارثة مالية. لهذا السبب وصفنا تلك الاتفاقية بين كيري وعبد الله بأنها تكتيك أحمق وغبي جداً. وفي 11 ايلول التقى وزير الخارجية الاميركي كيري الملك السعودي عبد الله في قصره على البحر الاحمر. ودعا الملك رئيس المخابرات السعودية السابق الامير بندر الى الحضور. هناك تم التوصل إلى اتفاق لتقديم الدعم السعودي لتنفيذ غارات جوية سعودية في سورية ضد تنظيم الدولة بشرط أن تدعم واشنطن السعوديين في إسقاط الأسد الحليف الراسخ لروسيا وإيران، والذي يشكل عقبة أمام السعودية والإمارات في مخططهم للسيطرة على سوق الغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي وتدمير التجارة الروسية المربحة هناك. واشار تقرير صادر عن صحيفة (وول ستريت جورنال) الى أشهر طويلة من العمل وراء الكواليس من قبل القادة الاميركيين والعرب الذين اتفقوا على ضرورة التعاون ضد تنظيم الدولة. وقد أعطت هذه العملية نفوذاً للسعوديين لكي يحصلوا على التزام أمريكي جديد لتعزيز تدريب المتمردين الذين يقاتلون الأسد، الأمر الذي لا يزال السعوديون يعتبرونه أولوية قصوى.

والآن إذا رسمنا موارد احتياطيات الغاز الطبيعي المعروفة في منطقة الخليج العربي بأكملها، فإن دوافع قيادة قطر والإمارات العربية المتحدة في تمويل مليارات الدولارات لصالح معارضة الأسد، سيصبح الأمر أكثر وضوحاً، وقد أصبح الغاز الطبيعي مصدر الطاقة النظيفة المفضل للقرن الحادي والعشرين، والاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق للنمو في العالم بالنسبة للغاز، وهو السبب الرئيسي الذي تريد واشنطن كسره في خضم الاعتماد على إمدادات (غازبروم) للاتحاد الأوروبي لإضعاف روسيا، والحفاظ على سيطرتها على الاتحاد الأوروبي عبر والوكلاء الموالين مثل قطر. ويقع أكبر خزان للغاز الطبيعي المعروف في العالم في وسط الخليج العربي الذي يمتد في المياه الإقليمية لقطر وجزء منه في إيران. وفي عام 2006 وقعت الصين اتفاقاً مع إيران لتطوير حقولها الغازية وبناء البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال لجلب الغاز إلى الصين. ويضم الجانب القطري من الخليج العربي - المسمى حقل الشمال - ثالث أكبر احتياطي للغاز الطبيعي المعروف في العالم بعد روسيا وإيران.

في تموز 2011 وقعت حكومات سوريا وإيران والعراق اتفاقاً تاريخياً لوقود الغاز الذي لم يلاحظه أحد في خضم الحرب المشتركة بين الناتو والسعودية وقطر لإزالة الأسد. وسيتدفق خط الأنابيب الذي كان من المتوقع أن تصل تكلفته إلى 10 مليار دولار، وأن يستغرق إنجازه ثلاث سنوات بدءاً من ميناء (أسالويا) الإيراني بالقرب من حقل (بارس) الجنوبي للغاز في الخليج العربي، مروراً إلى دمشق في سوريا عبر الأراضي العراقية. ومن شأن الاتفاق أن يجعل سوريا مركز التجمع والإنتاج بالاقتران مع احتياطيات لبنان. هذا هو الفضاء الاستراتيجي الجيوسياسي الذي يفتح جغرافيا جديدة لأول مرة، ويمتد من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان.

Proposed Iran Iraq Syria pipeline

بعد وقت قصير من التوقيع مع إيران والعراق في آب 2011، أعلنت وزارة النفط السورية لدى نظام بشار الأسد عن اكتشاف بئر غاز في منطقة (القرح) في المنطقة الوسطى من سوريا بالقرب من حمص. (غازبروم) بالتعاون مع الأسد ستكون المستثمر الرئيسي أو المشغل الرئيسي لحقول الغاز الجديدة في سوريا. بينما تخطط إيران في نهاية المطاف لتوسيع خط الأنابيب من دمشق إلى ميناء لبنان المتوسطي حيث سيتم تسليمه إلى سوق الاتحاد الأوروبي الضخم. وستشتري سوريا الغاز الايراني الى جانب اتفاق عراقي حالي لشراء الغاز الايراني من الجانب الايراني من حقل بارس الجنوبي.

قطر اليوم هي أكبر مصدّر في العالم للغاز الطبيعي المسال، وبشكل محدد إلى آسيا، ويتطلعون إلى السيطرة على السوق الأوربية أيضاً، وهذا ما تتطلع إيران وسوريا أن تفعله بالمثل، ومن أجل ذلك سيعملون على بناء خطوط أنابيب إلى البحر الأبيض المتوسط. الحل هنا هو التخلص من الأسد الموالي لإيران. في عام 2009 اقتربت قطر من بشار الأسد ضمن اقتراح لإنشاء خط أنابيب للغاز من حقل الشمال القطري عبر سوريا إلى تركيا وإلى الاتحاد الأوروبي. رفض الأسد ذلك مستشهدا بعلاقات سوريا الودية الطويلة مع روسيا و(غازبروم)، وقد أدى هذا الرفض مع اتفاق خط أنابيب الغاز بين إيران والعراق وسوريا في عام 2011 إلى إشعال الهجوم السعودي والقطري على سلطة الأسد وتمويل المعارضين والمتمردين ضده.

واليوم فإن الحروب التي تدعمها الولايات المتحدة في أوكرانيا وسوريا ليست سوى جبهتين في نفس الحرب الاستراتيجية لتشل روسيا والصين وتمزق أي قطب أوروبي آسيوي لنظام عالمي جديد تسيطر عليه الولايات المتحدة. ففي كل منهما فإن السيطرة على خطوط أنابيب الطاقة - وهذه المرة في المقام الأول تتمثل في أنابيب الغاز الطبيعي - من روسيا إلى الاتحاد الأوروبي عبر أوكرانيا ومن إيران وسوريا إلى الاتحاد الأوروبي عبر سوريا هو الهدف الاستراتيجي. والهدف الحقيقي للولايات المتحدة وإسرائيل لدعم الحرب على تنظيم الدولة هو إعطاء ذريعة لقصف صوامع الحبوب الحيوية للأسد ومصافي النفط لإعاقة الاقتصاد استعدادا لإسقاط الأسد على غرار ما حدث مع القذافي الحليف بشار الأسد والموالي لروسيا والصين.

بمعنى ضيق - كما يرى المحافظون الجدد في واشنطن – فإن الذين يسيطرون على سوريا يمكن أن يسيطروا على الشرق الأوسط. لقد كانت سوريا تعد بمثابة بوابة إلى آسيا، ومفتاحاً للدخول إلى قلب روسيا، فضلاً عن الصين عبر طريق الحرير. ولقد كانت الحروب الدينية تاريخياً من أكثر الحروب وحشية، وهذا ليس استثناء وخاصة عندما تكون تريليونات الدولارات من عائدات النفط والغاز معرضة للخطر. لماذا يعتبر الاتفاق السري بين كيري وعبد الله بشأن سوريا في 11 أيلول غبياً؟ لأن المخططين في واشنطن والرياض والدوحة - وإلى حد ما في أنقرة - غير قادرين على النظر في الترابط بين كل من تعطيل النظام والدمار الآخذ في التغلغل، إذ يجب النظر إلى ما وراء رؤى السيطرة على تدفقات النفط والغاز لكيلا نحصد بذور الدمار والانهيار التام في المنطقة.

هذا ومن الجيد الإشارة إلى أن المنتدى الاقتصادي السوري قد قام في تموز 2015 بنشر ورقة سياسات بعنوان (النفط القاتل) تحدث فيها منذ ذلك الوقت المبكر نسبياً عن إرهاصات الصراع القادم على النفط ضمن الساحة السورية، وعما تفعله الأطراف المتصارعة في سوريا ومن يقف ورائها من الدول الكبرى حيال الثروة النفطية الكامنة في سوريا، وعن توزع تلك الثروة في ذلك الوقت بين الأطراف المتصارعة وكيفية انتقالها عبر المناطق الـسورية المختلفة.