المقالات

تورونتو ... والحنين للأطعمة السورية

تورونتو ... والحنين للأطعمة السورية

تورونتو ... والحنين للأطعمة السورية
DAVID SAX | New York Times - 2018-02-12

Toronto Suddenly Has a New Craving: Syrian Food

(إنتيريور أوف صوفي) هو مطعم للوجبات السريعة في وسط مدينة تورونتو، مصمم خصيصاً لكي يكون مادة دسمة في (إنستغرام)! هناك البلاط الأبيض المصمم على نمط مترو الانفاق، هناك صور الأطعمة والمشروبات المعلق على الجدران، وهناك قائمة الأطعمة المكتوبة على السبورة، ومجموعة مختارة من الديكورات تم تجميعها من قبل المالكة (جالا صوفي) وهي مهندسة متخصصة في الهندســــة المعمارية الحديثة كما درسـت علم النفس أيضاً. حتى شقيقها الأصغر (علاء) يرتدي أيضاً زي عمال المطاعم المفضل من قبل العاملين في خدمة الطعام على امتداد هذه المنطقة من (شارع الملكة) في قلب تورونتو. ولكن مطعم صوفي يقدم تلميحات عن شيء أكثر غرابة من مجرد مكان لتناول الغداء، وهي تشمل الألحان المرحة لأغاني البوب العربية القديمة، وروائح السماق والزعتر في الهواء، والقمصان الصفراء والسوداء التي يرتديها الموظفون والتي تحمل عبارة (من سوريا ... مع الــحــب).

حتى وقت قريب، كان المطبخ السوري بالكاد موجوداً في تورونتو. فمع مجرد بضع مئات من العائلات، كان عدد السكان السوريين صغيراً جداً لدعم افتتاح أي مطاعم خاصة بالسوريين. ولكن على مدى العامين الماضيين - وعقب إعادة توطين أكثر من 50000 لاجئ في كندا - فإن منطقة تورونتو التي يعيش فيها أكثر من 11000 لاجئ تشهد براعم خضراء من الطفرة السورية الغذائية.

لقد أظهر رواد الأعمال ضمن الجالية السورية والذين يقفون وراء هذه المشاريع تنوعاً كبيراً، فقد تراوحت أعمارهم من 17 سنة إلى 70 عاماً، ومن بينهم تجد الأساتذة الحضريين والمزارعين الأميين، وعمل بعضهم في شركات الأغذية في الوطن، بينما بعضهم لم يطبخ في حياته أبداً. وفي تلك المدينة التي يتم تعريف المشهد العام للطهي فيها بكل فخر على أنه خليط من الأطعمة المهاجرة -  إذ أن أكثر من نصف سكان تورونتو هم من المولودين في الخارج – كان ظهور الطبخ السوري يشكل دليلاً دامغاً على اندماج مجتمع المهاجرين مع السكان المضيفين، وهكذا يبني الطعام جسراً إلى حياة جديدة.

ولكن وصول هذه المجموعة إلى تورونتو يشير أيضاً إلى شيء جديد، فقد قال (سوريش دوس) وهو صحفي غذائي يركز على متاجر ومطاعم المهاجرين في المدن ومراكز الضواحي: "إن السوريين يأتون في وقت يختلف كثيراً عن المهاجرين الآخرين قبلهم". فعلى عكس الفلبينيين أو السريلانكيين (بما في ذلك عائلة السيد دوس نفسه) الذين فتحوا شركات الطعام المتجمعة معاً في الأحياء المهاجرة لتلبية احتياجات مواطنيهم، وسع السوريين شركاتهم في جميع أنحاء منطقة تورونتو، في الوقت الذي أصبحت فيه المدينة بأكملها مهووسة بأي شيء صالح للأكل.

كما قام السوريون بتسويق وجباتهم على منصات التواصل الاجتماعي كالإنستغرام لكل تصل إلى جمهور أوسع، والاستفادة من التأثير البصري مع الغذاء، كما أن السيد دوس يقول: "هناك الكثير مما يمكن أن يشدك في الأطعمة الأصيلة التي بات سكان تورونتو قادرن على الحصول عليها بأنفسهم" وقد أدى احتضان كندا للاجئين السوريين إلى جعلهم من المشاهير، وهذا ما يمكن أن يترجم إلى مبيعات كبيرة ونجاح طويل الأجل. وتقول (جالا صوفي): "هناك مثل هذا الموقف الإيجابي تجاه الشركات الجديدة التي بدأ فيها القادمون الجدد هنا". وفي شهر آب الماضي افتتحت السيدة صوفي واحدة من حوالي اثني عشر شركة غذائية سورية لتظهر حول تورونتو في السنوات الأخيرة، مع والديها (شهناز) و(حسام) وشقيقها (علاء) وشقيقها الأصغر (أيهم) الذي لا زال في المرحلة الثانوية.

وعلى الرغم من أصلها الدمشقي، عاشت تلك العائلة لعقدين من الزمن في المملكة العربية السعودية، حيث عمل حسام كمهندس مدني، وخلافا لغالبية الوافدين السوريين الجدد الذين جاءوا كلاجئين، انتقلت جالا إلى هنا لأول مرة في عام 2012 للدراسة في جامعة تورنتو، وتبعتها عائلتها بعد ثلاث سنوات. لأن كندا لم تعترف بالمؤهلات الهندسية لحسام، وأدركت الأسرة سريعاً ندرة الطعام السوري في تورونتو، فقرروا إنشاء مطعم. وقالت جالا: "أردنا تسليط الضوء على المطبخ السوري الذي غاب في ظلال المطبخ الشرق أوسطي"، مشيرة إلى أن المطاعم اللبنانية وغيرها من المطاعم العربية قد احتوت مطاعمها في علامة (البحر الأبيض المتوسط) العامة، من أجل نداء أوسع نطاقاً للزبائن.

وهكذا انتشر اسم صوفي كوصف صارخ لمطعم سوري. وقالت شهناز إن العائلة تريد أن تثبت أن السوريين "أكثر من مجرد ضحايا"، وأضافت: "كنا نريد أن نكون واعين ومتجددين في الوعي، وذلك على الرغم من أن الوضع في سوريا يدعو للأسف، فمن المهم إظهار الثقافة والموسيقى والفن السوريين". وقد حققت عائلة صوفي التوازن بين النكهات السورية التقليدية والأذواق الكندية المعاصرة. موظفو صوفي هم لاجئون سوريون حصراً. يرتدي البعض الأوشحة والمريولات، بينما يفضل البعض الآخر الجينز الضيق والأكمام المدحرجة.

وتم تشكيل القائمة حول اثنين من الأطعمة السورية الأساسية: الصنف الأول هو فطائر المناقيش الطازجة التي تأتي مع مجموعة متنوعة من المكونات، مثلاً من السجق (لحم البقر المفروم) أو من جبنة الحلوم مع السبانخ الليموني المطهو ببطء. والصنف الثاني هو الكنافة، وهي طبق حلو دافئ من الجبن الطري وخيوط العجين الخاصة، المعطرة مع ماء الورد والغارقة في القطر. وكان أول معمل غذائي سوري مميز هنا (معجنات كراون) وهو عبارة عن مخبز صغير افتتحه الأخوان إسماعيل ورسول الصالح في عام 2015 في مركز تجاري على امتداد طريق في (سكاربورو) وهو الحي الشرقي من المدينة فيه غالبية من الجزارين اللبنانيين ومحلات الشاورما.

فلقد نزح أولئك الإخوة إلى كندا كلاجئين في عام 2009 من مدينة حلب، بسبب وضع خطير رفضوا مناقشته، وحالما أنهى إسماعيل دراسته في المرحلة الثانوية، دعمه رسول من خلال العمل في المخابز اللبنانية من الفجر حتى الغسق، ولكن كان الهدف دائماً هو فتح مخبز سوري. وقال رسول: "مع المخابز العربية الأخرى، لا يمكنك تذوق الزبدة أو المكسرات، هناك السكر فقط". وهكذا أتت معجنات كراون التي هي استمرار لمخبز جدهم الذي يحمل نفس الاسم والذي كان يعمل في مدينة حلب القديمة منذ عام 1980 وحتى بداية الحرب في عام 2011 عندما تم تركه وإغلاقه.

معجنات كراون تحتوي على العشرات من الحلويات الرائعة، فمع الطبقات المطوية من فيلو العجين، هناك أكوام من البقلاوة في مختلف الأشكال والأحجام، وهناك زلابية الجبنة الحلوة التي تسمى (حلاوة الجبن)، إضافة إلى الشوكولا وكعك الشوكولا الكثيفة المغطاة في عاصفة من الفستق واللوز والكاجو. من الصعب العثور على المكونات السورية الأصيلة في كندا، وخاصة الآن مع استمرار الحرب. وفي كل ستة أشهر تدفع معجنات كراون أكثر من 500 دولار ثمناً لزجاجة من مياه الورد السورية، ويتم تهريبها عبر الخطوط الأمامية للحرب إلى تركيا ومن ثم إلى تورونتو، لأن إسماعيل يعتقد أنه لا توجد مياه ورد أخرى بذات الجودة.

عندما وصل إلى تورونتو، تصور رسول أنه سوف يستغرق 30 عاماً لإنشاء أعماله الخاصة. ولكن المخبز أصبح ناجحاً بحيث يخطط الأخوة بالفعل للتوسع. وكان ترحيب كندا الحار باللاجئين السوريين سمة مميزة لانتخاب (جستين ترودو) رئيساً للوزراء في أواخر عام 2015، وبالنسبة للكثيرين فإنه لا يزال رمزاً قوياً لهوية تورونتو المتعددة الثقافات. (شعار المدينة هو "التنوع قوتنا") وعلى هذا الأساس جذبت شركات الأغذية السورية درجة هائلة من اهتمام وسائل الإعلام، إضافة إلى قاعدة واسعة من العملاء التي تمتد إلى ما هو أبعد من الناس ذوي الأصول المتوسطية أو الشرق أوسطية.

وقال عامر فتال - 27 عاما - والذي وصل من حلب في عام 2016 وأنشأ نادياً للعشاء، ومطعماً لذوي أصحاب العمل الجزئي يدعى (بيرويا كيتشن) مع زوجته نور: "كانت وسائل الإعلام أكثر من اللازم وكانت الاستجابة ساحقة" وقد تمت دعوة الزوجين إلى قاعة المدينة وجامعة تورونتو والمكاتب المحلية من (أوبر) ولكن في حين يشعر السيد فتال بالفخر الكبير في مشاركة قصة تقاليد الطهي الكبرى في حلب، فإنه يتساءل عما إذا كان بعض الكنديين يقومون بالوصول إلى كل شرائح اللاجئين السوريين. وقال: "هناك اشخاص اخرون لاجئون بحاجة الى فرص ايضاً".

لم تشعر شركات الأغذية السورية بأضواء أكثر حدة من (نيوكومر كيتشن) وهي مجموعة غير ربحية من النساء اللواتي يجتمعن كل يوم أربعاء لطهي وجبة سورية تقليدية في مقهى صغير وحاضنة أعمال غذائية تدعى (ديبانور) وبدأت نيوكومر كيتشن في مارس 2016 كوسيلة لإعانة اللاجئين السوريين الذين وصلوا حديثا والذين كانوا يعيشون مؤقتاً في فنادق المطار، وإعطائهم فرصة لطهي وجبة. ولكنها نمت لتصبح جماعية مكونة من 60 طاهياً، والذين يتناوبون في مجموعات من ثمانية لجعل 50 دورة ثلاثية من العائلات تتناول الطعام في الأسبوع، مقابل 20 دولاراً لكل منها. وكانت المجموعة موضوعاً لعشرات القصص الإخبارية في جميع أنحاء العالم، وأصبحت موضوعاً لفيلم وثائقي عن عالم الأعمال. وقبل عام زار السيد ترودو مع الصحافة هذا المطبخ ووجهه المبتسم يستعرض بفخر كل ما في المطبخ.

ولكن التوقعات بأن هذا سوف يؤدي إلى تمويل الحكومة للتكاليف الإدارية لم تدم كثيراً، ففي هذا الشتاء ناشد المطبخ جمهوره لجمع التبرعات، كما أن مستقبل المشروع ضعيف. أما في مكان آخر في الخريف الماضي، نجد مجموعة من الطهاة يطحنون حول طاولة كبيرة، يتبادلون النكات وشرب القهوة مع كعك اليانسون المحلي الصنع. (رهف العقباني) وهي امرأة سورية تبلغ من العمر 26 عاما من مينة السويداء في جنوب سوريا، وطالبة سابقة في الدراسات العليا في الأدب الإنكليزي، حثت الجميع على الحصول على مريولات والانضمام للعمل. كان هناك خبز لسلطة الفتوش، والبصل من أجل الشاكرية، وحساء لحم البقر السميك، ودقيق السميد لتكوين الخلطة الأولية لصنع المعمول.

وتقول السيدة العقباني وهي تقود الطاقم: "لم يكن لدي أي خبرة طهي احترافية على الإطلاق، لكني لطالما أحببت الطبخ". فكما هو الحال مع معظم النساء هنا، تعلمت الوصفات إلى جانب والدتها. كما أن سوريا لديها واحدة من أقدم وأغنى المأكولات في العالم، والاختلافات الإقليمية في الطعام - حتى بين المدن السورية - هي محل نزاع حار. وقال (لين سيناتر) التي تملك مطعم ديبانور: "لا توجد ترجمة رسمية للأطباق ففي بعض الأحيان هناك 20 هجاء مختلف لنفس الطبق، كما أن نسخة كل امرأة في طريقة الصنع هي معيار ذهبي بحد ذاته، كما أن طعم الطبق يتغير أسبوعيا". المطبخ الجديد في حد ذاته هو تجربة اجتماعية، وقالت (كارا بنيامين بيس) وهي رائدة أعمال ساعدت في العثور على المجموعة: "الغذاء ليس هو الهدف النهائي، إنها منصة ومحادثة حول كيفية جمع الناس معاً والحفاظ على تقاليد الطهي لهؤلاء النساء على مستوى معين".

كما أن الطعام يعتبر بشكل حاسم مصدراً للشفاء والمواساة. فبعد أن قتل تنظيم داعش أحد إخوتها أمام عينيها، كانت (غادة عبد الله) وعائلتها متفرقة في جميع أنحاء العالم. يعمل اثنان من أشقائها الآن كطهاة في أوروبا، بينما أتت هي إلى تورونتو مع زوجها وطفليها. وقالت السيدة عبد الله في زيارتها الأولى إلى نيوكومر كيتشن منذ ولادة ابنتها: "الاستماع إلى قصص الآخرين يجعلك تشعر شعوراً حسناً، وأنك لست الوحيد الذي يعاني. ساعدني الطبخ معهم على التغلب على هذه الصدمة".

ابتسمت السيدة العقباني وبدأت في الغناء، وتقول: "دائما أحب الأغاني، فالغناء مثير ومبهج" وذلك مع التصفيق ضمن ضربات متزامنة، ومع الآخرين عجنت عجين المعمول، وسرعان ما كان المطبخ ضمن جو من شغب الغناء والرقص والروائح، ثم أتى الغداء المكون من الحمص الطازج وبابا غنوج وفطائر اللحم المتبل التي تدعى سمبوسك، وصاحت السيدة العقباني أمام هذا المشهد البهيج: "يلللا ... دعونا نأكل!".

ملاحظة المنتدى الاقتصادي السوري:

يقوم المنتدى الاقتصادي السوري الآن بتنفيذ مشروع (LIFE) وهو عبارة عن حاضنة أعمال مهتمة بشؤون الطبخ والخدمات الغذائية، وذلك في كل من مدينتي إسطنبول وغازي عنتاب في تركيا، لإتاحة الفرصة أمام اللاجئين السوريين المهتمين بقطاع الغذاء والمطاعم ليشقوا طريقهم نحو التميز في ريادة الأعمال الغذائية، ولتأدية رسالة التواصل مع الشعوب والاندماج مع المجتمعات المضيفة للاجئين من خلال الطعام والمأكولات، وخاصة مع الإبداع المتميز للمطبخ السوري الذي بدأ صدى تفرده يتردد في كل أنحاء العالم مع انتشار السوريين فيه.

ترجمة: المنتدى الإقتصادي السوري