المقالات

الكذبة الكبرى!

الكذبة الكبرى!

الكذبة الكبرى!
المنتدى الاقتصادي السوري - 2018-02-07

The Great Lie!

بعد أن سمع (مروان) عما أشيع عن عودة الأمور إلى نصابها في مسقط رأسه (حلب)، تلك المدينة السورية التي نكبتها أربع سنوات ونصف من الحرب الضروس التي قضت على وهجها الاقتصادي والعمراني، قرر العودة من منفاه الإجباري في تركيا، آملاً بإعادة تفعيل معمل التريكو الصغير الذي يملكه في منطقة (الشعار) شرقي المدينة، وذلك طبعاً بعد أن أغرته حملة دعائية شنتها جهات عدة مروجة عن (النهضة) الشاملة التي تعم المناطق التي يستعيدها النظام من قبضة من يسميهم (الإرهابيين)، وعن (التنمية) الشاملة التي تنتشر فيها، وعن وعود لا حصر لها بتحويل تلك المناطق إلى (نيويورك) الشرق الأوسط، وإلى الجنة الموعودة لكل مشتاق!

طبعاً عاد مروان، ولم يُمضِ في مدينته الحبيبة أكثر من شهر واحد، عاد بعدها بالسرعة القصوى إلى تركيا لا يلوي على شيء! والسبب؟ السبب يتلخص بأن كل ما وعدوه به، وجد نقيضه تماماً، بل وحتى كاد يفقد حياته ذاتها عندما طالب – مجرد مطالبة – باستعادة معمله الصغير وإعادة تشغيله. بعد أن وجد بأن الأمور لم تكن أسوأ من ذلك أبداً في تلك المدينة المنكوبة.

يقول مروان: كان قد مضى عام كامل على استعادة نظام الأسد للسيطرة على كامل مدينة حلب، مما يعني بأن الأمور يجب أن تكون الآن أفضل، والأمن مستتب، والخدمات تقدم بشكل طبيعي، وإعادة الإعمار تجري على قدم وساق. ولكن العكس كان هو الصحيح بكل معنى الكلمة! انفلات أمني بسبب سيطرة الميليشيات التابعة للنظام وتحكمها في كل شيء، أبسط الخدمات كالكهرباء والماء والاتصالات والنظافة ... بالكاد يتم تقديمها بشكل مزر، والقسم الأكبر الذي تم استعادته من سيطرة المعارضة لا زال أرضاً محرمة تحتاج إلى ألف تصريح وورقة ثبوتية لكل تدخله، والميليشيات تعيث فيه فسداً وسلباً ونهباً بلا ضابط ولا رابط! حتى أنقاض المباني المهدمة – التي دمرتها طائراتهم – يرفضون رفعها، ولا يسمحون لأحد بإعادة تشغيل معمله ولا ترميم بيته ولا إقامة أي مشاريع أو أبنية جديدة. عندما استطعت – بشق الأنفس – أن أصل إلى معلمي في منطقة الشعار، وهممت بمد الكهرباء إليه وإعادة تشغيله، وجدت معظم محتوياته منهوبة عن بكرة أبيها، ولم يسمحوا لي بمد الكهرباء إليه ولا بتشغيله بل وحتى شككوا بمليكتي له، وكادوا يعتقلونني تعسفياً بل وحتى هددوني بالقتل إن رأوني هنا ثانية.

تجارب شتى كتجربة مروان شهدها أهل حلب، وأهل حمص، وأهالي بعض المناطق في جنوبي العاصمة دمشق وريفها، وغيرها الكثير من المناطق التي بات نظام الأسد يستعيدها منذ أكثر من عام بمساعدة حلفائه الأسخياء جداً. فباستثناء التهجير القسري بعد حفلات دامية من الحصار والتدمير والقصف الوحشي، لا زال نظام الأسد ممثلاً بميليشياته وأجهزته الأمنية يمارسان إحكاماً شرساً على تلك المناطق التي يتم استعادتها من قبضة المعارضة. وبينما تبث أجهزة إعلام النظام وحلفاؤه – بل وحتى من هم ليسوا حلفائه – دعاية وردية خلابة عن إعادة الإعمار وعودة الأمن والأمان وأن الأوان قد حان لعودة اللاجئين إلى ديارهم، نجد أن الحقيقة على الأرض تشي بما هو على النقيض من ذلك، بل تعد بجحيم آخر من القمع والفساد وإرهاب الدولة وتردي المعيشة ... فعلى أي أساس يتحدث النظام وحلفاؤه والمسوقون السذج له عن إعادة الإعمار؟ وأي كذبة كبرى تلك التي يروجونها عن الجنة الموعودة في سوريا التي يريدون صنعها على هواهم، بعد سبعة أعوام من حرب كان أساسها ثورة طالبت بالحرية والنهضة والحياة الكريمة، ليحصد الشعب بدلاً منها موتاً ودماراً وتشريداً؟

حقيقة الأمر أن النظام بدعم أساسي من حليفه الروسي الذي قاد تلك الحملة الإعلامية أساساً – كما قاد الحملة العسكرية وكما يرسم السياسة الاقتصادية لسوريا على هواه – عمد منذ ان بدأ بتحصيل مكاسبه العسكرية على الأرض وقضم المناطق الواحدة تلو الأخرى وإعادتها إلى بيت الطاعة الذي سيطر على سوريا منذ نصف قرن، عمد إلى ترويج دعاية ترسخ شرعيته المتهالكة كنظام حكم أمام المجتمع الدولي، وكجهة وحيدة لا نظير لها لتمثيل سوريا وشعبها، دعاية مفادها بأن الأمور الآن مثالية، ومستقرة، وعادت كما كانت قبل اندلاع الحرب بل وأفضل! وأي شيء أفضل من (إعادة الإعمار) بالخط العريض وبكل ما يمكن أن تحمله تلك العبارة من زخم أمام العالم وامام الشعب السوري المنهك ... أي شيء أفضل من تلك (الكذبة) يمكن أن يخدم موقف نظام الأسد المتزعزع الخطر الذي كان العالم أجمع يصفه قبل ثلاثة أعوام فقط بـ (الــنــظــام الــلاشــرعــي) وبأنه مجرم حرب ... بينما اليوم، باتت أطراف كثيرة من هذا العالم نفسه على استعداد للاعتراف بشرعيته وتطبيع العلاقات معه من جديد؟

حسناً ... لماذا تعتبر حملة إعادة الإعمار وعودة الأمور إلى نصابها مجرد كذبة؟

بعيداً عن حقيقة ما يجري على أرض الواقع من مخالفة صريحة لدعاوى الإعمار والازدهار، ولو اكتفينا فقط بإخضاع المسألة للمنطق وللقرائن الحالية المرافقة للأحداث، سنجد بحسبة بسيطة بأن نظام الأسد غير قادر أساساً على إعادة الإعمار ولا حتى إعادة الخدمات البسيطة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، فاقتصاده منهار بالكامل برغم كل محاولات التظاهر بالتعافي، وسوريا فقدت معظم ثرواتها الطبيعية لصالح جهات خارجية قبضت ثمن دعم النظام عسكرياً وسياسياً، ناهيك عما ضاع أساساً من قبضة النظام في شرق سوريا الزاخر بالثروات الطبيعية لصالح الولايات المتحدة وعملائها على الأرض. الليرة السورية تراجعت بعشرة أضعاف عما كانت عليه قبل الحرب، والمستثمرون السوريون الفاعلون تركوا سوريا إلى غير ما رجعة، والحقيقة المفزعة هي أن نصف سكان سوريا تقريباً قد باتوا اليوم بين قتيل وجريح ومعتقل ومهجّر، مما يعني ببساطة بأن نصف القوة العاملة في سوريا قد تم تحييدها خارج كل الحسابات. أما عن الوضع الأمني، فحدث ولا حرج! ويكفي القول بأن تركيبة النظام الأمنية القمعية الشمولية في الأساس تمنعه من منح أدنى هامش من الحرية للمواطنين في ظروف السلم والرخاء، فما بالك في ظروف حرب كان أساسها ثورة ضد هذا النظام؟

قد يقول قائل بأن كل ما سبق صحيح، والنظام فعلاً غير قادر على إعادة الإعمار، ولكن هذا لا ينفي عملية إعادة الإعمار من الأساس، لأن حلفاء النظام هم من سيقوم بتلك العملية فعلياً ...! والرد على هذا الادعاء جاهز أيضاً، بل هو أكثر وضوحاً للعالم من وضع النظام المزري نفسه. فلو قمنا بجرد بسيط لقائمة حلفاء النظام ... لوجدنا على رأسها روسيا والصين وإيران، وفي نهايتها بعض الدول الصغيرة التي تعاني من أوضاع اقتصادية ربما أسوأ من وضع اقتصاد نظام الأسد نفسه! فمن من بينهم – أو حتى باجتماعهم ككل – يستطيع تحمل كلفة إعادة بناء سوريا التي باتت تقدر حسب آخر الإحصائيات بـ 250 مليار دولار؟

المشاكل الاقتصادية الطاحنة التي تعاني منها روسيا معروفة وغنية عن التعبير، وروسيا نفسها لازالت في طور النمو الاقتصادي، ومغامراتها العسكرية لوحدها تضع حملاً ثقيلاً على كاهل اقتصادها، فهل هي مؤهلة حقاً لإعادة إعمار سوريا ولو جزئياً؟ الجواب هو لا بالطبع. والكلام ذاته ينطبق بصورة أشد رسوخاً – وبشكل أسوأ أيضاً - على إيران. وحدها الصين من بين كل حلفاء النظام تنفرد بحالة من الثبات الاقتصادي تسمح لها بتولي جزء هام وحاسم من عملية إعادة الإعمار المزعومة، ولكن ليس ضمن الأوضاع الراهنة وليس بالصورة التي يحاول النظام إيهامنا بها. فالصين لن تدخل مغامرة إعادة إعمار عمياء فقط إرضاءً لغرور النظام، ولن تمنحه دعاية مجانية توطد أركان حكمه بدخولها إعادة الإعمار في ظل الأوضاع الأمنية المتردية بل وحتى في ظل المناخ السياسي المقلق المحيط دولياً بنظام الأسد، فبالرغم من دعم الصين للأسد في عدة مواقف سياسياً واقتصادياً، إلا أنها لن تبتعد في النهاية عن لعبة التوازنات الدولية التي لم تتخل عنها يوماً.

طبعاً يحاول حلفاء النظام إيهام المجتمع الدولي بأنهم يباشرون إعادة الإعمار من خلال بعض الزوابع التي لا تخرج عن كونها إعلامية أكثر من كونها اقتصادية. فإيران وقعت مؤخراً بعض الاتفاقيات مع النظام لإعادة تأهيل بعض محطات توليد الكهرباء، وبعض الشركات الروسية المتفرقة تتصيد بعض العقود العادية جداً هنا وهناك على طول امتداد الأرض السورية. ناهيك عن بعض الشركات الصينية والبرازيلية والماليزية واللبنانية والمصرية التي تحاول الفوز بنصيب من الكعكة، ولكن بما تسمح به إمكاناتها المحدودة لا أكثر. فهل يكفي كل هذا للقول بأن هناك عملية إعادة إعمار حقيقة في سوريا؟

إن كل القرائن والدلالات بل وحتى التجارب التي تجري على أرض الواقع، تثبت جميعاً يوماً وراء آخر بأن لا إعمار في الوقت الراهن في سوريا، وكل ما يروج عن الازدهار والاستقرار و(تضميد جراح الحرب) هو مجرد كذب رخيص لا هدف له إلا خدمة نظام الأسد وإعادة إنتاجه وتلميع صورته الملطخة بدماء السوريين ... أولئك السوريون الذين لا زالوا حتى الآن محرومون من العودة إلى وطنهم واستعادة حياتهم والعيش بحرية وكرامة في بلد ناهض مستقر تسوده العدالة والمساواة. والمجتمع الدولي بأسره سيكون ملوماً بل ومشاركاً في الجرم الشنيع الذي جرى ويجري بحق هذا الشعب الكليم إذا سمح للمجرمين الحقيقيين بالبقاء على سدة حكم هذا البلد، بل وإدارة إعادة إعماره بأنفسهم وعلى هواهم ... وكأن شيئاً لم يكن.