المقالات

سباق النفط في سوريا والعراق

سباق النفط في سوريا والعراق

سباق النفط في سوريا والعراق
South Front - 2017-11-01

إن هزيمة تنظيم الدولة وزواله الوشيك سيغير بلا شك خريطة الصراعات في كل من العراق وسوريا. الصراعات بين الأطراف المحايدة سابقاً أو الأطراف التي كانت مشاركة في السابق أصبحت الآن في الصدارة. في الأشهر الأخيرة شهدنا تصاعد التوتر بين جيش النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى تصاعد التوتر بين الحكومة المركزية في العراق وحكومة إقليم كردستان، ناهيك عن الصراع بين روسيا والولايات المتحدة. إن هذه الصراعات متأصلة لأسباب اقتصادية وعسكرية وسياسية على حد سواء. ومن شأن هزيمة تنظيم الدولة أن يجلب سيناريو جديد ستحاول من خلاله جميع الأطراف السيطرة على بعض الأراضي بالوسائل العسكرية، والاحتفاظ بها من خلال مفاوضات ما بعد الحرب بشأن مصير سوريا والعراق. كما سيؤدي السعي من أجل توطيد مواقف الجوانب المتصارعة إلى السباق للسيطرة على الأراضي ذات القيمة الاستراتيجية أو الاقتصادية. سوريا خير مثال واضح على ذلك، فمع السباق إلى (الرصافة) أو مع السباق إلى الحدود السورية الأردنية، حاولت القوات النظامية السورية الالتفاف على (التنف) مما أدى إلى اشتباكات بين القوات المدعومة من روسيا والقوات المدعومة من الولايات المتحدة، إضافة لما نراه الآن مع سباق النفط في محافظة (دير الزور) فعلى الرغم من جميع الاحتياجات الإقليمية أو الاستراتيجية، فإن النفط هو المحور الرئيسي في كل هذا الصراع. ويعتبر النفط مصدر قلق كبير بالنسبة لروسيا والولايات المتحدة من وجهة النظر الاقتصادية، إضافة لوجود شركات النفط الروسية والأمريكية في المنطقة، فلا يوجد شيء يثير الدهشة حول حقيقة أن الأحداث الرئيسية في هذه الحروب تدور كلها بالقرب من أكبر حقول النفط التي كان يسيطر عليها تنظيم الدولة، والتي من شأنها أن تلعب دوراً هاماً في تشكيل حدود ما بعد الحرب في المنطقة.

بعد احتلال العراق في عام 2003 هرعت شركات النفط الأمريكية إلى المنطقة، وبدأت بسحب النفط لصالح سادة العراق الجدد كجزء من الخطة العامة لإعادة بناء العراق واستعادة عافيته. وفي وقت لاحق سُمح للشركات الأخرى في سوق النفط - مثل (توتال) الفرنسية و (لوكويل) الروسية – بدخول الساحة. لكن ظهور تنظيم الدولة في 2013-2014 غير كل شيء في قطاع النفط في العراق، فقد توقفت بعض آبار النفط ومصانعها عن العمل رسمياً بدلا من العمل لصالح تنظيم الدولة، ولكن ظهر في الوقت نفسه استعداد عدد من الدول للمساعدة في نقل النفط من مناطق تنظيم الدولة لانخفاض سعره، هذا الأمر أدى لتزويد التنظيم بأموال كبيرة، كانت تستخدم للحفاظ على جيشه ولتجنيد العديد من الحلفاء وإعداد خططه الحربية. ومع ذلك  - وحتى خلال الحرب ضد التنظيم - لا تزال الشركات في الأراضي التي تسيطر عليها حكومتا العراق وكردستان تنتج النفط، بما في ذلك الشركات الـروســـــــيـة.

في عام 2017 دخلت شركة (روسنيفت) المملوكة للدولة الروسية إلى كردستان العراق بمساعدة أصدقائها الصينيين، وهذا شيء غير عادي في الشرق الأوسط. وتمت خصخصة (روسنيفت) مؤخراً لصالح التمويل القَطـري. وحدث هذا على الرغم من أن قطر كانت معارضاً رئيسياً للائتلاف الروسي الإيراني، إلا أن الصراع بين السعودية وقطر جعل أمير قطر يغير توجهاته مؤخراً. ومع ذلك فإن صفقة قطر لم تنجح لأسباب سياسية واقتصادية. كما حاولت شركة (CEFC) الصينية للطاقة التوصل إلى اتفاق مع قطر كوسيط، ولكن نشأت مضاعفات أخرى بسبب مشاكل في السيطرة على اعضائها، وأدى ذلك إلى احتجاز بعض حسابات الشركة، لذلك اضطرت روسيا إلى مغادرة الصفقة خوفاً من خطر الأضرار الاقتصادية والسمعة الخطيرة. وهذا يثبت مرة أخرى أن قطر ليست الشريك الأكثر موثوقية في الشرق الأوسط، وأنه ينبغي دائماً أن يتم حساب المخاطر عند التعامل مع الصين، سواءاً في هذه الحالة أو في حالة المشاريع المشتركة التي تتم الآن في كردستان، وإلا فإن الكلفة ستكون عالية جداً. وبالنظر الى المصالح الاقتصادية للصين فى المنطقة ودورها المحتمل فى استعادة اقتصاد سوريا والعراق، فان الصين وروسيا ستكونان شريكين ومتنافسين في المنطقة فى الآن ذاته. وهذا أمر لا مفر منه بالمعنى السياسي والاقتصادي، وستعتمد نتائج هذا التعاون على قيادات كل منها.

وعلى أية حال فإن هذا التعقيد لم يمنع (روسنيفت) من دخول كردستان العراق، فقد افتتحت مكتباً لها في (أربيل) وبدأت العمل في مشاريع البنية التحتية الكبيرة، وهذا مالم يعجب الولايات المتحدة ولا بغداد، واعتبرت الاخيرة ان هذه الصفقة "غير قانونية". والحقيقة أن شركات النفط الروسية وشركات النفط الامريكية تعمل فى منطقة غير مستقرة وعلى حافة الحرب حيث تكافح الحكومات المحلية للسيطرة على الآبار النفطية. كما أن إعادة استيلاء الجيش العراقي والميليشيات الشيعية على كركوك مؤخراً يدل على حدة الصراع الذي يتعلق بالحكومات المحلية وشركات النفط على حد سواء، وفي هذا الصدد يجب أن تأخذ المصالح الاقتصادية لشركات النفط كل التناقضات العسكرية والسياسية بعين الاعتبار.

حالياً يواجه المشروع الأمريكي المتمثل في كردستان المستقلة مقاومة من العراق وإيران وتركيا، لكن روسيا تحاول البقاء بعيداً عن هذا الأمر، وتدعم العلاقات مع كل من بغداد وكردستان، إلا ان بغداد غير راضية عن ذلك وتحاول بذل كل ما في وسعها للتأثير على روسيا لتقديم المزيد من الدعم لموقف بغداد الرسمي المعارض لنوايا البرزاني والولايات المتحدة. وبينما تدعم روسيا رسمياً وحدة أراضي العراق، تتعاون روسيا مع كلاً من طرفي الصراع، فالعراق يحصل على أسلحة من روسيا، ولكن في الوقت نفسه تدخل شركات النفط الروسية إلى كردستان بموافقة حكومة أربيل.

إلا ان الصراع في كركوك يهدد هذه الخطط، وخاصة بعد أن أدى إلى اشتباكات بين قوات الحكومة العراقية والبشمركة، إذ أن محاولات بغداد وطهران لتقليل نفوذ برزاني من شأنه أن يعرّض شركات النفط الروسية في كردستان للخطر. وعلى الرغم من أنه لا يزال هناك احتمال بتغير الخارطة السياسة، إلا أن روسيا ستتمكن من التوصل إلى اتفاق مع بغداد من أجل مواصلة العمل في المنطقة على نحو مضاعف، بالنظر إلى أن حكومة العراق تدرك أن دعم روسيا أمر حيوي بالنسبة للعراق للحفاظ على سلامة أراضيه، كما أن التعاون بين روسيا وإيران والعراق سيبقى مفتوحاً لتحقيق التوازن في مواقفهم.

ومن الجدير بالذكر أيضاً أن إيران - باعتبارها الشريك الرئيسي لروسيا في الائتلاف - لها تأثير كبير على الحكومة العراقية، وبالتالي ستبقى روسيا فى المنطقة بغض النظر عما يحدث بين العراقيين والاكراد، وستبقى روسيا تنأى بنفسها عن هذه المشكلة قدر الامكان وستحث الاطراف المتصارعة على التفاوض داخل اطار وحدة الاراضي العراقية مما يسمح للولايات المتحدة وايران بالتعامل مع بعضهما البعض فى العراق.

ومؤخراً أعلنت شركات النفط الروسية عن إعادة تأسيس عملياتها بشكل كامل في سوريا خلال صيف عام 2015 عندما اعتبرت استقرار الوضع في المنطقة ضرورياً لمواصلة العمل. الآن الوضع بعيد عن الاستقرار تماماً على الرغم من أن الوضع قد تغير بشكل كبير خلال عامين من التواجد الروسي في سوريا. قطاع النفط والغاز في وسط سوريا يخضع إلى حد كبير لسيطرة النظام، كما بدأت جهود الانتعاش هناك. بدون هذه الموارد لن يتمكن الأسد من رؤية انتعاش الاقتصاد السوري حتى بمساعدة روسيا والصين وإيران. كما أظهر قطاع النفط الروسي اهتماماً بتطوير آبار النفط السورية في الصيف الماضي، وذكرت بعض المصادر أن روسيا وعدت بتحصيل ما يقارب 25 في المئة من قطاع النفط والغاز السوري كتعويض عن الدعم في الحرب. لذلك تتوقع دمشق من الدول المذكورة أعلاه المشاركة والمساعدة في إعادة السيطرة على حقول النفط في شرق سوريا وإعادة اندماجهم في الاقتصاد السوري. وتساعد روسيا وإيران الجيش النظامي السوري، وتعد الصين بالاستثمار بشكل كبير بعد استقرار الوضع. لكن من المهم أن نأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة وحلفائها لديهم أفكارهم الخاصة حول ســــــــــــوريا.

فوفقاً للولايات المتحدة، فإن الصراع السوري يجب أن يستمر حتى بعد هزيمة تنظيم الدولة، وهذا ما يمكن أن نراه في جنوب سوريا حيث تتواجد الولايات المتحدة في منطقة (التنف)، إضافة لشمال شرق سوريا حيث تستخدم الولايات المتحدة الأكراد للسيطرة على النفط في شمال محافظة دير الزور. إن النجاحات الأخيرة لقوات سورية الديمقراطية أدت إلى سيطرتها على حقل (العمر) النفطي ودخولها الصراع بالقرب من حقول (كونيكو) للغاز، حيث ضرب الطيران الروسي مقاتلي تنظيم الدولة و أصابوا قوات سوريا الديمقراطية هناك. تحتاج الولايات المتحدة إلى النفط لتأمين مشروع الأكراد اقتصادياً في (روجافا) لأن ذلك سيجعله أكثر استقلالاً عن دمشق. ويلتزم الأسد وحلفاؤه بإعادة السيطرة على الحقول النفطية، وهذا من شأنه أن يوفر أساساً لمشاريع البناء لما بعد الحرب، في حين أن روسيا والصين سوف ترضي مصالح شركات النفط الخاصة بها، والتي من شأنها تطوير استثماراتها بعد الحرب رسمياً. في هذا السيناريو ستكون إيران قادرة على بناء "حزام شيعي" من طهران إلى بيروت عبر سوريا.

وبطبيعة الحال، لا توجد طريقة ممكنة لسحب النفط بكفاءة عند اندلاع حرب في مكان قريب، فالشركات الرفيعة المستوى تميل إلى تجنب مثل هذه المخاطر. وحتى استخدام الشركات العسكرية الخاصة لتأمين المنشآت لن يضمن الأمن الكامل، لأنه لن يستبعد التهديدات الإرهابية والهجمات الانتحارية، وخاصة ان الحرب لم تنته تماماً ضد تنظيم الدولة. وعلى هذا الأساس فإن السباق لنفط دير الزور لن يرسم الحدود المؤقتة بين الجيش النظامي السوري وقوات سوريا الديمقراطية فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى إخلاء المنطقة من قوات تنظيم الدولة هناك، الأمر الذي كان سيعوق استعادة الاقتصاد والودائع النفطية والمنشآت.

وفيما يتعلق بتنظيم الدولة فإن خسارة هذه الودائع لا تحدث فرقاً، لأن الطيران الروسي في المنطقة يجعل من المستحيل سحب النفط ونقله، مما يقلل من عائدات النفط في ميزانية التنظيم التي بدأت تتقلص منذ عام 2016.أما الباقي فسيعتمد على ما إذا كان الاتفاق مع الأكراد سيتم أم لا. ففي ضوء الجهود الروسية، الأسد والأكراد سيتوصلون إلى اتفاق في دمشق أو أستانا، ثم سيتم وضع بعض الحلول الاقتصادية المؤقتة، مما سيجعل الأكراد يقررون التخلي عن المشاعر الانفصالية التي تدعمها الولايات المتحدة لصالح دور جديد في سوريا ما بعد الحرب. وإذا لم يتم التوصل إلى الاتفاق، فإن الحدود بين الجيش النظامي السوري وقوات سوريا الديمقراطية قد تصبح في وقت قريب نسبياً خط جبهة. في حين أن الجيش السوري لن يهدف فقط إلى احتلال منطقة (الطبقة) بل أيضاً سيسعى إلى دفع الأكراد للخروج من الحقول النفطية التي كانوا قد استولوا عليها ضمن السباق الحالي. وهذا ما حدث أيضاً مع حقول النفط بالقرب من كركوك. وهذا من شأنه أن يثير قلقاً بالغاً لدى روسيا بتهديد مصالح ما بعد الحرب لشركات النفط الروسية إضافة إلى التوترات مع الولايات المتحدة التي ستستفيد من الصراع وتعوق محاولات روسيا لإنهاء الحرب في سوريا. وبالتالي سوف تحاول روسيا التهرب من تصعيد الوضع، ولكن مع زيادة الضغط، فإن روسيا سوف تتخذ موقفاً إلى جانب الأسد، خصوصاً إذا حاولت الولايات المتحدة تحقيق السيناريو النهائي لتقسيم الأراضي السورية باستخدام الأكراد.

ولذلك فإن الصراعات السياسية والاقتصادية بين الجانبين اللذين يقاتلون ضد تنظيم الدولة حاضرة ومتصاعدة حتى في سوريا والعراق. هذا يشبه إلى حد ما أواخر عام 1944 وبداية عام 1945 عندما بدأت خسارة الرايخ الثالث بالتصاعد،  فبدأت الصراعات بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة والإمبراطورية البريطانية لتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب. أما الآن فإن أطراف النزاع مهتمون بالعراق وسوريا بعد الحرب سياسياً  وإقليمياً، وأيضاً تأمين مواقف تسمح لهم بتحقيق خططهم الاستراتيجية والاقتصادية في المنطقة بعد الحرب. وأظهرت الشركات الروسية والصينية - التي لم ينتظر البعض منها حتى انتهاء الحرب - محاولات لتأمين مواقفهم حتى قبل كل شيء، وهذا خطر، ولكن إذا ظل العراق وسوريا دولاً نافعة مع حكومات فريدة، فإن الخطر سينتهي حتماً. الآن تحاول الولايات المتحدة فرض مسألة السيطرة على النفط في دير الزور وكركوك باستخدام الأكراد، وبالتالي التصعيد في هذه المناطق. وتعتبر الولايات المتحدة التصعيد ميزة في مواجهة روسيا وإيران والصين، وبالتالي فإن إنهاء الحرب ضد تنظيم الدولة لن يعني تحقيق السلام في المنطقة، فالنفط في العراق وسوريا سيكون العامل الرئيسي للصراع في الشرق الأوسط.

ترجمة : المنتدى الاقتصادي السوري