المقالات

هل ستدفع الصين لإعادة بناء سوريا ؟

هل ستدفع الصين لإعادة بناء سوريا ؟

هل ستدفع الصين لإعادة بناء سوريا ؟
Wang Jin - Diplomat - 2017-11-01

مع تولي الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) مقاليد السلطة في البلاد، بدأت تظهر إشارات إلى أنه قد يستعين بشكل أساسي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين فيما يتعلق بالنزاع السوري، ومع ذلك لا تزال هناك مشكلة صعبة بالنسبة لكل من الولايات المتحدة وروسيا، إذ من الذي سيدفع ثمن إعادة الإعمار الاقتصادي بعد الحرب بتكلفة تقدر بما يقارب التريليون دولار في سوريا بعد أكثر من ست سنوات من الحرب الأهلية؟ وبالنسبة للصين فهي من المحتمل أن تكون منافساً لأخذ هذا الدور. ويبدو أن لدى الصين الاستعداد السياسي والقدرة الاقتصادية لتغطية النفقات التي سيحتاجها المجتمع الدولي - وخاصة روسيا وإيران وسوريا - للمساعدة في إعادة الإعمار الاقتصادي في سوريا، وفي المقابل ستلعب الصين دوراً اقتصاديا رئيسياً في سوريا.

من الناحية السياسية، كانت الصين تقف مع روسيا وإيران والنظام السوري من خلال التمسك بشعار (عدم التدخل) والتأكيد على الحل السياسي بدلاً من الحل العسكري، وذلك منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية في عام 2011. وبالنسبة للصين فإن ما تخافه في سوريا هو أن تتأثر العوامل المحلية لديها. فالصين تشعر بالقلق من أن ينتقل التطرف الإسلامي من منطقة الحرب السورية إلى المقاطعات الغربية فى الصين مثل (شينجيانغ) و (نينغشيا) حيث يتركز سكان (الأويغور) من المسلمين الصينيين. وقد أفرزت الحرب الاهلية المستمرة منذ فترة طويلة الكثير من المتطرفين الاسلاميين، بمن فيهم الكثير من المتطرفين الاويغوريين من الصين، وزودتهم بأماكن للتدريب والقتال، لذلك تخشى الصين من عودة المتطرفين الاسلاميين لكي يهددوا أمنها المحلي.

من ناحية أخرى تشعر الصين بالقلق من أن انتصار الثوار السوريين الذين يقاتلون باسم الحرية والديمقراطية،  وهذا من شأنه أن يثير الاضطرابات الاجتماعية والسياسية الداخلية في الصين، والتي يمكن أن تهدد نظام الحزب الشيوعي. في ظل هذه الخلفية، من الضروري أن تقف الصين مع روسيا وإيران من أجل حماية النظام السوري على الساحة الدولية. ومن المنطقي أن يُتوقع استمرار هذا الدعم إلى فترة إعادة البناء بعد الحرب أيضاً.

ومن الناحية الاقتصادية، تتمتع الصين بالقدرة على المساعدة بل وحتى لعب دور رئيسي في البناء بعد الحرب السورية، وبموجب مبادرة (حزام واحد، طريق واحد) (OBOR) التي طرحها الزعيم الصيني (شي جين بينغ) في عام 2013 زاد التوسع الاقتصادي للصين في الخارج بشكل ملحوظ، إذ اشترت العديد من الشركات الصينية المملوكة للدولة شركات أخرى كثيرة، واستثمرت فى دول أجنبية مختلفة مما يدل على الطموحات الاقتصادية للصين. وفي الوقت نفسه أنشأت الصين عدة منظمات دولية - مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية - على أمل إصلاح النظام الاقتصادي الدولي القائم. ومع توسع الصين في طموحاتها الاقتصادية والسياسية في الخارج، فإن القيام بدور رائد في سوريا يبدو وكأنه فرصة ذهبية، ويبدو أن المبلغ الهائل من احتياطيات النقد الأجنبي (أكثر من 3 تريليون دولار) الذي تحتفظ به الصين، يكفي لتغطية النفقات اللازمة لإعادة إعمار سوريا بعد الحرب.

ومع ذلك وعلى الرغم من هذه العوامل، فمن غير المحتمل أن تلعب الصين دوراً اقتصادياً رئيسياً في إعادة الإعمار الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب في سوريا. وعلى الرغم من أن الصين لديها القدرة على تغطية النفقات، فإن مصالحها السياسية والاقتصادية في سوريا لا تعني بالضرورة أن الصين ستكون مستثمراً رئيسياً في المجتمع بعد انتهاء الحرب السورية.

فقبل كل شيء، تبقى حقيقة أن الاستعداد السياسي للصين محدود، فالمصالح السياسية الرئيسية للصين في سوريا تهتم بشكل رئيسي باحتواء التطرف الإسلامي. وعلى الرغم من أن عامل الأيديولوجيا كان مصدر قلق للصين في المراحل المبكرة من الحرب الأهلية السورية، فإن تدهور النظام الاجتماعي والتدخلات الأجنبية جعلت الثورة السورية أقل جاذبية للجمهور الصيني. وفي الوقت نفسه، سيكون من الخطر على الصين أن تلعب دوراً رئيسياً في سوريا، إذ من خلال ذلك يمكن للصين أن تجعل نفسها هدفاً رئيسياً للمتطرفين، لأن مساعدة الصين لنظام الأسد - الذي يهيمن عليه الشيعة - يمكن أن تثير حالة من عدم الرضا بين المتطرفين السنّة.

وفى الوقت نفسه يتعين على الصين توخي الحذر حتى لا تُظهر تهديداً لروسيا وإيران اللتين لديهما مصالح عميقة في سوريا، وعلى الرغم من أنها ستكون مجرد أعمال تجارية إلا ان التوسع الاقتصادي للصين في الخارج قد يترجم إلى سلطة ونفوذ سياسيين. صحيح أن الصين تنتشر بنشاط ضمن مبادرة (OBOR) إلا أنها حذرة من عدم إثارة معارضة القوى الإقليمية والعالمية الأخرى، وخاصة روسيا وإيران. وبالنسبة للصين يجب احترام نفوذ روسيا في آسيا الوسطى وتأثير إيران في الخليج، وبالتالي فإن أي تحرك نحو الهيمنة الاقتصادية الصينية في سوريا سيحد - على الأقل إلى حد ما - العلاقات الثنائية بين الصين وروسيا والصين وإيران.

وأخيراً، فلقد انخفضت القدرة الاقتصادية للصين انخفاضاً كبيراً في السنوات الأخيرة. فقبل بضع سنوات في عام 2013 عندما تولى (شي جين بينغ) السلطة، كانت احتياطيات النقد الأجنبي للصين أكثر من 4 تريليون دولار، ومع ذلك فبعد سنوات من استثمارات (OBOR) في الخارج، انخفضت احتياطيات النقد الأجنبي للصين إلى 3 تريليون دولار. وعلى الرغم من أن هذه هي تكلفة التوسع الاقتصادي على الصعيد العالمي، إلا أن التراجع السريع للاحتياطيات الأجنبية لا يزال صادماً للعديد من الصينيين. وبالإضافة إلى ذلك - ونظراً لسوء إدارة وعدم كفاءة الشركات المملوكة للدولة في الصين - فإن العديد من المشاريع الضخمة والاستثمارات الكبيرة في الدول الأجنبية المدارة من قبل الشركات الصينية المملوكة للدولة في نهاية المطاف تعمل كآلات غسيل للأموال لكثير من الاختلاسيين الصينيين. وعلى الرغم من أن القادة السياسيين الصينيين ما زالوا مهتمين بمبادرة (OBOR) إلا أنهم لا يستطيعون التغاضي عن هذه المخاوف، وبالتالي فإنه من غير المرجح أن تنفق الصين قدراً هائلاً من المال في سوريا بعد الحرب الأهلية.

مصالح الصين في سوريا لا تترجم بالضرورة إلى دور رئيسي في إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية السورية. وعلى الرغم من أن الصين تمسك بزمام بعض المصالح الاقتصادية السورية وخاصة في مجال الموارد الطبيعية، وتنسق بشكل جيد مع الحكومة السورية وروسيا وإيران، فإنه لا يزال من غير المحتمل أن تلعب الصين دوراً اقتصادياً كبيراً في سوريا بعد الحرب، نظراً للاهتمامات السياسية للصين وتقلص احتياطيات النقد الأجنبي.

ترجمة: المنتدى الاقتصادي السوري