Loading...

المقالات

اللاجئون السوريون في تركيا ... ما وراء الحمل الثقيل

اللاجئون السوريون في تركيا ... ما وراء الحمل الثقيل

اللاجئون السوريون في تركيا ... ما وراء الحمل الثقيل

المنتدى الاقتصادي السوري - 13 إيلول/سبتمبر 2017 | 13:40

مخيمات اللاجئين المتدهورة والمدن المدمرة والقوارب المطاطية المزدحمة التي تحارب أمواج البحر الأبيض المتوسط ... هذه هي الصور التي تهيمن على أوضاع النازحين السوريين. فبعد سبع سنوات من الحرب والدمار اللذين تسببا في أن تصبح سوريا أكبر مصدر للمهجّرين قسرياً في العالم، باتت هذه الصور التي تُظهر الانتظار الطويل الأمد دقيقة جداً للأسف، وفي الوقت نفسه هي مجرد جزء بسيط من القصة. تركيا التي يعيش فيها أكبر عدد من النازحين السوريين حالياً قامت بشكل مدهش بخلق مجتمع متماسك اجتماعياً واقتصادياً. وفي الوقت الذي تبدأ فيه المحادثات في تركيا بالتحول من الدعم الإنساني القصير الأمد إلى جهود التنسيق على المدى الطويل، فإن الآلاف من الشركات المملوكة لسوريا قد استثمرت بالفعل مئات الملايين من الدولارات ضمن الاقتصاد التركي، وخلقت عشرات الآلاف من فرص العمل للسوريين والأتراك على حد سواء.

يظهر السوريون في تركيا أنهم أكثر من مجرد عبء أو خطر أمني. فهم المستهلكون والمنتجون والمستثمرون والناس الذين يرغبون في العودة إلى المساهمة في السوق العالمية. وعلى هذا الصعيد، يجب على كل السياسات العالمية أن تحذو حذو تركيا مع الاعتراف بالإمكانيات السورية. والجدير بالذكر أن تركيا بالتأكيد تفوقت بالفعل على جميع البلدان المجاورة لسوريا التي تقبل اللاجئين السوريين  في المقام الأول هي لبنان والأردن والعراق.

المصدر: UNHCR

ينتشر حاليا حوالي 3 ملايين سوري في جميع أنحاء تركيا تحت بند الحماية المؤقتة (أو ما يسمى بالضيف) ويتلقون الخدمات العامة والرعاية الصحية المنخفضة التكاليف وتصاريح العمل والوظائف، وهم يتسوقون ويتنقلون في نفس أحياء الأتراك، ويرسلون أطفالهم إلى نفس المدارس، ولديهم مصلحة مشتركة مع الأتراك في تنمية المجتمع التركي بما يؤمن مستقبلهم، وذلك على الرغم من حاجز اللغة التركية وقضايا التماسك الاجتماعي. ويتوقع أن تصبح نسبة السكان السوريين في بعض المدن التركية - مثل بلدة كلّس الحدودية - أكثر من عدد السكان الأتراك. كانت تركيا الوجهة المفضلة للسوريين قبل إغلاق الحدود عملياً في آذار 2015 وذلك ضمن إطار اختيار الأتراك لإنشاء (مناطق آمنة) على طول الحدود داخل سوريا، ولا تزال تركيا تقبل كميات صغيرة من اللاجئين (معظمهم جرحى) ولكنها تركز عسكرياً على تأمين الحدود، وعلى الصعيد المحلي على إدارة 3 ملايين سوري داخل تركيا.

التزم المسؤولون الأتراك من رؤساء البلديات الحدودية إلى كبار المسؤولين بنهج موحد وواضح إزاء هذا التحدي، وما زالوا حتى الآن يرفضون رؤية السوريين كلاجئين مهجرين قسرياً مضطرين لاستضافتهم، بل يعاملون السوريين على أنهم (جيران وإخوة وأخوات) بشكل أكثر مما يعبر عن التفسير القانوني لالتزامات تركيا بوصفها من الدول الموقعة على اتفاقية جنيف لعام 1951. وقد تسبب وزير الداخلية التركي بالكثير من الغضب هذا الصيف بدفاعه عن السوريين ضد وسائل الإعلام التي تصور معدلات الجريمة المتزايدة في مجتمعهم، في حين أن العكس هو الصحيح. وبسبب الدين المشترك والشعور بالواجب العائلي تقريباً في مناطق الحدود على الأقل، فإن الأصول العائلية المشتركة تؤدي للحديث عن الكثير من النقاط الممتازة حول سبب تقديم تركيا الكثير من الدعم إلى النازحين السوريين، وذلك من خلال العديد التدابير المتاحة والتي تعتبر ممتازة إذا ما قورنت على المستوى الإقليمي، وذلك بفضل استجابة الحكومة بشكل كبير، وهذا حقاً مجهود ضخم أكثر من أن يوصف بمجرد كلمات.

وتقوم هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التابعة للحكومة التركية (AFAD) بتنسيق الاستجابة الطارئة وإدارة 21 موقعاً سكنياً مؤقتاً يتم تحويل الكثير منها من مجرد مخيمات إلى مجمعات تحتوي على بيوت مكيفة مسبقة الصنع، إضافة وجود خدمات صحية وتعليمية وخدمات أخرى شاملة للناس في المخيمات، وينظر إليهم على نطاق واسع بأنهم يوفرون أعلى مستوى من الحياة للاجئين السوريين في المنطقة. ومع ذلك فإنه من أصل 3 ملايين سوري في تركيا يعيش أكثر من 90٪ منهم خارج المخيمات.

وبدعم سياسي كبير من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فإن جهاز الاستجابة الأوسع يشمل مشاركة وزارات الداخلية والخارجية والصحة والتعليم والزراعة والغابات والنقل و الأسرة والسياسات الاجتماعية والعمل والضمان الاجتماعي والمالية. وتشارك كذلك القوات المسلحة التركية والهلال الأحمر التركي، الذي يقدم أيضا الدعم عبر الحدود إلى سوريا. وتدعم وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية جهود الحكومة التركية، وغالباً ما توفر الخدمات الاجتماعية للنازحين لمساعدتهم على اجتياز البيروقراطية التركية التي غالباً ما تكون مرهقة. وقد بدأت هذه البيروقراطية نفسها - بعد بضع سنوات تلت عام  2011  وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف عام 2016 - في فحص المجموعات الدولية بشكل أوثق، مما تسبب في توقف عدة مجموعات عن العمليات هذا العام.

وبصرف النظر عن هذه التوترات مع المجموعات الدولية والتي تتحمل بعض المسؤولية، فإن تركيا قامت بعمل رائع حتى الآن. وبصفة خاصة بالمقارنة مع دول اللجوء الأخرى في المنطقة، إذ تمكنت تركيا من تهدئة بعض الغرائز الأكثر قتامة في الطبيعة البشرية لإلقاء اللوم على "الآخرين" فيما يتعلق بمشاكلنا وتهديد الضحايا الأبرياء. ولكن مع عدم وجود نهاية في الأفق للصراع الذي دام سبع سنوات في سوريا، فليس هناك تاريخ مستهدف لعودة النازحين السوريين إلى ديارهم، ويبقى أن نراقب وننتظر أي انفراج مرتقب. كما أن مسألة عدم عودة الكثيرين في الواقع ستظل سؤالاً مفتوحاً أيضاً وخاصة بالنسبة لأولئك الذين لديهم وظائف وأطفال في المدارس التركية وظروف غير مؤكدة عند عودتهم إلى سوريا، وعلى هذا الأساس يمكن افتراض أن الكثيرين سيبقون.

ومن الأمور التي يمكن أن تساعد على الانتقال من الدعم قصير الأجل إلى التنسيق على المدى الطويل، هو التحول في التفكير الذي يتبعه تنفيذ السياسة المناسبة تجاه أصحاب المشاريع والاستثمارات من السوريين. ويتناول جزء كبير من الحوار الحالي حول توليد الدخل للسوريين في تركيا وتأمين تصاريح العمل. وتم منح السوريين الحق في العمل رسمياً في أوائل عام 2016 ومع ذلك لم يتم منح سوى 5502 تصريح عمل فقط في الأشهر الستة الأولى، مع حوالي 14000 فقط اعتباراً من أوائل سنة 2017. وهذا يعني أن إضفاء الطابع الرسمي قد يبدو أفضل للسلطات والمراقبين الدوليين مما هو عليه بالنسبة للسوريين الذين يتحفظون إزاء الوظائف المرتبطة براتب رسمي.

ووجدت دراسة أجراها المنتدى الاقتصادي السوري في عام 2014 - وهو عبارة عن مركز فكري مقره في مدينة غازي عنتاب بتركيا - أن 55 % من السوريين الذين أجريت معهم مقابلات كانوا يبحثون عن عمل ويواجهون تحديات تشمل الافتقار إلى فرص العمل والأجور ونقص التأمين وسوء معاملة أرباب العمل ودفع الأجور جزئيا والفصل من العمل دون سبب وصعوبة التواصل مع أصحاب العمل أو العملاء بسبب عدم إجادة اللغة التركية. وينبغي للحكومة التركية أن تواصل البحث عن سبل كسر هذه الحواجز، والاستفادة من المهارات وطاقات الشباب من السوريين سواء بشكل رسمي أو غير رسمي. ومن الناحية الاستراتيجية يمكن أن يعني ذلك الاستحواذ على السوق السورية المتصاعدة للصادرات التركية في السنوات المقبلة.

المصدر: CSIS.

ومع ذلك، فإن الفرصة الرئيسية لمواءمة السوريين في المجتمع التركي هي الاستفادة من وجودهم في النمو الاقتصادي الذي يفيد الأتراك أيضاً، ويتناول ريادة الأعمال والاستثمار. ووجدت دراسة أجريت عام 2017 من قبل المنتدى الاقــتــصــادي الــســوري و (Building Markets) أن العدد الإجمالي للشركات السورية المملوكة في تركيا يقدر بأكثر من 10000 وهو رقم يجمع بين الشركات الرسمية وغير الرسمية. وهم في المتوسط يستخدمون 94 شخصاً بما في ذلك الأتراك، وأكثر من نصف تلك العينات التي تم الكشف عنها تخطط لتوظيف موظفين إضافيين خلال العام المقبل. الأهم من ذلك، وجدت الدراسة أن 76 % من أصحاب الأعمال السوريين يخططون للحفاظ على أعمالهم في تركيا حتى بعد انتهاء الحرب، وتوسيعها إلى سوريا.

لم يكن الأمر دائماً بهذه الطريقة، فبعد اندلاع الحرب في عام 2011 أخذ العديد من المستثمرين ورجال الأعمال السوريين رؤوس أموالهم إلى مصر، على أمل أن ينفقوا على النمو الاقتصادي هناك، ومعتمدين على اللغة التجارية المشتركة وعلى الحكومة الجديدة المنتخبة ديمقراطياً بقيادة الرئيس (محمد مرسي) ولكن عندما أطيح بالرئيس مرسي في تموز 2013 وجد العديد من المستثمرين السوريين أن استثماراتهم معرضة للخطر، سواء من قبل قوى السوق أو عن طريق التهديد بنزع الملكية. فبدأ البحث عن مكان جديد بالنسبة للكثيرين، ووفقاً للمنتدى الاقتصادي السوري، لا يزال هذا البحث مستمراً إلى يومنا هذا.

وعلى الرغم من أن ما يقدر بنحو 334 مليون دولار تم استثماره من قبل السوريين في الشركات التركية الرسمية منذ عام 2011، فإن قواعد الاستثمار المعقدة والحواجز اللغوية لا تزال تعوق العديد من المستثمرين السوريين. وبالنسبة للأتراك فإن التحول العقلاني نحو السوريين وما يقابله من إصلاحات سياسية وتنظيمية يمكن أن يقطع شوطا طويلا لإقناع رجال الأعمال والمستثمرين السوريين بالاستثمار في تركيا. وقد يساعد ذلك أيضا العديد من الشركات السورية غير الرسمية على إضفاء الصبغة الرسمية على تقديراتها، حيث تشير التقديرات إلى أن 30٪ فقط من الشركات السورية مسجلة بشكل صحيح، وهذا التسجيل يمنح زيادة في الإيرادات الضريبية للحكومة التركية ويقلل المخاطر القانونية على الشركات نفسها. كما ينبغي أن تخلق تركيا فرصاً لتسريب رؤوس الأموال الخاصة، لمعالجة الفجوة التي تم تحديدها في دراسة عام 2017 والتي أظهرت أن الشركات السورية تحتاج إلى ما يقرب من 300000 دولار في المتوسط ​​لتنمو في أسواقها. إن معالجة هذه القضايا ستجذب بلا شك المزيد من رأس المال السوري وتؤدي إلى نمو اقتصادي يستفيد منه الأتراك والسوريون على حد سواء.

وفي نهاية المطاف، لا ينبغي اعتبار اللاجئين السوريين في تركيا  عبئاً بل كمجموعة يمكن أن تحقق نمواً اقتصادياً كبيراً لأنفسهم وللمجتمعات المضيفة لهم، وذلك وفقاً لما ذكره السيد (رامي شراق) المدير في المنتدى الاقتصادي السوري. وعلى الرغم من النزوح إلى أجل غير مسمى فقد أثبت السوريون أنهم قادرون على التكيف وقادرون على الاستهلاك والبيع والاقتراض والابتكار ضد كل الصعاب. وعلى الرغم من أن البعض سيظل بحاجة إلى دعم ذي طابع إنساني أكثر، فإن الكثيرين يقدمون أنفسهم ويخلقون فرص عمل لزملائهم من اللاجئين والأتراك على حد سواء.