المقالات

هذه الأرض هي أرضهم آلام الهجرة ...متى يُبشر الغرب بالخلاص وليس الدمار؟

هذه الأرض هي أرضهم آلام الهجرة ...متى يُبشر الغرب بالخلاص وليس الدمار؟

هذه الأرض هي أرضهم آلام الهجرة ...متى يُبشر الغرب بالخلاص وليس الدمار؟
ترجمة المنتدى الاقتصادي السوري - 2017-09-27

في الأول من تشرين الأول عام 1977 ركبنا أنا ووالداي وشقيقتاي في طائرة شركة (لوفت هانزا) في آخر الليل من مدينة (مومباي)، كنا جميعاً نرتدي ملابس جديدة ثقيلة غير مريحة، وجاء كل أقاربنا لوداعنا في المطار مع أكاليل ومصابيح، ومسحوا جباهنا بصبغات قرمزية خاصة! لقد كنا ذاهبين إلى أمريكا.

للحصول على أرخص التذاكر، رتب وكيل السفر لدينا رحلة نزلت في فرانكفورت، وبعد ذلك إلى نيويورك. في فرانكفورت، فحص ضابط الحدود الألماني جوازات السفر الهندية لأبي وشقيقتاي ولي ثم ختمتهم، ثم احتفظ بجواز سفر والدتي وقال: لا يسمح لكِ بدخول المانيا.

وكان جواز سفر بريطاني قد أعطي للمواطنين من أصل هندي الذين ولدوا في كينيا قبل الاستقلال عن البريطانيين، مثل والدتي. ولكن في عام 1968 أدلى البرلماني المحافظ (اينوك باول) بخطاب كأنهار من الدم محذراً من أخذ الناس ذوي البشرة البنية والسوداء، وأقر البرلمان قانوناً يحرم بشكل عاجل مئات الآلاف من حاملي جوازات السفر البريطانية في شرق أفريقيا من حقهم للعيش في البلد الذي منحهم جنسيته. جواز السفر كان حرفياً لا يساوي قيمة الورق الذي طبع عليه! فقد أصبح في الواقع بمثابة علامة (قابيل)! قرر الضابط الألماني أنه بسبب وضعها غير المؤكد، فإن والدتي قد تترك زوجها وثلاثة أطفال صغار وتأخذ استراحة لها لكي تعيش في ألمانيا بمفردها.

بالنسبة لنا كصنف من أصناف الكائنات الحية، تطورنا من كوننا صيادين وجامعين إلى رعاة، وهكذا فإن البشر لم ينسجموا مع الحركة الراديكالية والمستمرة التي أتاحتها الحداثة. بقينا معظمنا في مكان واحد في قرانا. فبين عامي 1960 و2015 تضاعف العدد الإجمالي للمهاجرين إلى ثلاثة أضعاف، أي 3.3 في المائة من سكان العالم. واليوم يعيش ربع بليون نسمة في بلد مختلف عن البلد الذي ولدوا فيه - واحد من كل 30 إنسانا - وإذا كان جميع المهاجرين أمة بأنفسهم، فإننا سنشكل خامس أكبر بلد في العالم.

يتمثل التحدي الأكبر لأغنى البلدان في العالم في القرن الحادي والعشرين هو قدرة التعامل مع التدفق الهائل من المهاجرين. وبما أن تغير المناخ والصراع السياسي يدفعان أعداداً متزايدة من الناس من القرى والمناطق الحربية في العالم للنزوح، فإن النازحين يلتمسون ملاذاً في أي مكان يستطيعون العيش فيه. هل تعتقد أن 5 ملايين لاجئ سوري هم مشكلة الآن؟ ماذا سيحدث عندما تحصل الفيضانات على بنغلاديش و18 مليون من أهالي بنغلادش سيضطرون أن يسعوا للانتقال إلى الأراضي الجافة؟

خلال العقود الأخيرة الماضية ارتفعت الفجوة في الدخل في الدول المتقدمة، وأصبحت الثروات متركزة في فئة قليلة من أفراد المجتمع، وتركيز الثروة يؤدي إلى تركيز السلطة السياسية وإعادة توجيه الغضب ضد عدم المساواة بعيداً عن النخب (السكان الأصليون)  وذلك وإلى المهاجرين. عندما يأتي الفلاحون غاضبين إلى الأغنياء حاملين معاولهم، فإن الشيء الأكثر أماناً للأغنياء ليقوموا به هو القول: لا تلومنا، ألقوا اللوم عليهم! (مشيرين إلى الأحدث والأضعف).

ما هو الفرق بين اللاجئ والمهاجر؟ إنه خيار استراتيجي بين الكلمات، يتم اختياره على الحدود عندما يتم سؤالك: من أنت؟ أصل الكلمة هو القدر! يمكن إعادتك إذا كنت مجرد مهاجر "اقتصادي" ولكنك ستخشى من ذلك وستكون مرتبكاً إذا كنت تعرف نفسك لاجئاً، سواء كنت تهرب من شيء أو تهرب نحو شيء، أنت بكل الأحوال.. تهرب.

اللاجئ، كما قال عالم الاجتماع البولندي (سيغموند بومان) في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز عام 2016، يجلب معه شبح الفوضى وانعدام القانون الذي أجبره على مغادرة بلده. فالاضطراب الاقتصادي والسياسي تسببت به الدول الغنية بالبلاد عندما نقلوا سكانها الزائدين إلى مستعمرات ثم تراجعوا، تاركين وراءهم دولاً وأمماً غير محددة المعالم. ومع ذلك، يعاني اللاجئون من انعدام الجنسية. ويقولون انهم لا يستطيعون العودة الى ديارهم لأن منازلهم دمرت بسبب اللصوصية أو التصحر.

ومع تحمل أعباء دولته الفاشلة، سيأتي ليطرق على أبواب الغرب، وإن استطاع الدخول إلى إحدى دول الغرب، سيجد أنه ليس موضع ترحيب ولكن بالكاد سيجد بعض التسامح. قد يكون طبيباً جراحاً في بلاده الأصلية، ولكنه سيكون على استعداد لأداء أي مهمة كتنظيف البدائل في المستشفى، ولكن لا يمكن أبدا أن نأمل أن يكون واحداً من الأطباء النظاميين بسبب قوانين حماية نقابتهم من الناس مثله. يجب أن يكون متذللاً، مضطراً دائماً للمطالبة بحصة عادلة من الثروة في مسكنه الجديد أو إلى أي نوع من الامتياز السياسي. كل ما يمكن أن يأمل له هو مقياس للأمن الشخصي وفرصة لتحويل ما يكفي من المال إلى عائلته حتى يتمكنوا من إرسال الصبي الأكبر إلى مدرسة خاصة بالقرب من مخيم اللاجئين الذي ينتظرون فيه فرصتهم في لم الشمل مع والد أو شقيق أو زوج.

إننا نرفض اللاجئ في الأمم المنظمة لأنه خلاصة مخاوفنا الأسوأ، فإن مستقبل القرن الحادي والعشرين الذي يلوح في الأفق يجلب أشكالاً بشرية جديدة إلى حدودنا، ولأنه لم يكن بالضرورة فقيراً في البلد الذي جاء منه، فقد يكون رجل أعمال أو مهندس منذ عام واحد فقط، قبل أن يتغير كل شيء، فهو تذكير بأن نفس الشيء يمكن أن يحدث لنا أيضاً. كل شيء يمكن أن يتغير جذرياً ولا رجعة فيه فجأة.

ومع ذلك، فإن أغنى البلدان في العالم لا يمكنها معرفة ما تريد القيام به بشأن الهجرة، فهم يريدون بعض المهاجرين دون غيرهم. ففي عام 2006 حاولت الحكومة الهولندية جعل نفسها غير جذابة للمهاجرين المسلمين والأفارقة المحتملين من خلال عمل فيلم يضم مشاهد من الأزواج المثليين والنساء العاريات تحت حمامات الشمس. كان الفيلم عبارة عن دراسة مساعدة لامتحان القبول الإلزامي للأشخاص الذين يهاجرون من أجل لم شمل الأسرة. باستثناء أولئك الذين يزيد دخلهم عن 54000 دولار سنوياً، أو مواطني الدول الغنية مثل الولايات المتحدة، الذين تم التنازل عن الشروط إزاءهم. وأظهر الفيلم أيضاً الأحياء المهدمة التي قد ينتهي فيها المهاجرون للعيش. وكانت هناك مقابلات مع المهاجرين الذين وصفوا الهولنديين بالباردين والغير ودودين. وحذر الفيلم من الاختناقات المرورية، ومشاكل العثور على وظيفة، والفيضانات في البلاد المنخفضة.

وفي عام 2011 نشرت مدينة (غاتينو) في مقاطعة (كيبيك) الكندية بياناً للمهاجرين الجدد الذين تم تحذيرهم من الروائح القوية الناجمة عن الطهي والتي قد تسيء إلى الكنديين. وأبلغت أيضاً المهاجرين بأنه ليس من المقبول في كندا رشوة المسؤولين في المدينة. وأنه من الأفضل أن تظهر في المواعيد المحددة للتعيينات. وتبع ذلك دليلاً نشرته مدينة (هيروشفيل) التي حذرت المهاجرين من أن رجم شخص ما حتى الموت في الأماكن العامة محظور صراحة.

في ألمانيا، تغيرت ثقافة "الترحيب" في هذا البلد خلال موسم واحد، ابتداءاً من شهر أيلول عام 2015 إلى "استباح اللاجئين لديارهم" بعد هجمات (كولونيا) في ليلة رأس السنة. إن الكلمات التي يستخدمها السياسيون اليمينيون لوصف هؤلاء الرجال الأفغان أو المغاربة مشابهة للمصطلحات المستخدمة لوصف الرجال السود في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين "منحرفون جائعون جنسياً!"  في عام 1900 تحدث سيناتور كارولينا (بنيامين تيلمان) من مجلس الشيوخ الأمريكي: لم نكن نعتبر أبداً الرجل الأسود أن يكون مساوياً للرجل الأبيض، ونحن لن نرضي شهوته على زوجاتنا وبناتنا دون إعدامه.

وبتقدم سريع إلى عام 2017 قال (نايجل فارج) وهو عضو بريطاني في البرلمان الأوروبي: في السويد تم أخذ عدد أكبر من المهاجرين الذكور من أي بلد آخر في أوروبا، وكان هناك ارتفاع كبير في الجرائم الجنسية في السويد لدرجة أن (مالمو) هي الآن عاصمة الاغتصاب في أوروبا. ولكن تم الكشف عن هذا الادعاء بسرعة، فبحلول عام 2015  -وهي السنة التي أخذت السويد فيها عدداً قياسياً من ملتمسي اللجوء - انخفضت الجرائم الجنسية بنسبة 11 في المائة مقارنة بالعام السابق.

في حين أنه من الصحيح وجود قصص مروعة عن حلقات منظمة من المغتصبين بخلفيات مشكلة من المهاجرين - مثل مجموعة من الباكستانيين في (روثرهام) بالمملكة المتحدة، والذين اجبروا المراهقات على ممارسة الجنس – ولكن ليس هناك دليل على أن المهاجرين يمارسون الاغتصاب عموماً أو السرقة بمعدلات أعلى من عامة السكان. إن الطلقات التي تصدر من المجرمين ذوي البشرة الداكنة سواء كانوا مغاربة أو مكسيكيين، تضرب بطريقة أو بأخرى المزيد من الخوف في الخيال الغربي من الإرهابيين المغتصبين المحليين. إنه الخوف البدائي القبلي: إنهم قادمون لنسائنا.

وانطلاقا من هذا الخوف، ينتخب الناخبون في بلد بعد البلد، القادة الذين يقومون بأضرار لا تحصى على المدى الطويل: (دونالد ترامب) في الولايات المتحدة، (فيكتور أوربان) في المجر، (أندريه دودا) في بولندا. وكان الخوف من المهاجرين هو الذي دفع الناخبين البريطانيين للتصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي!

إن ارهاب المهاجرين يمكن أن يكون أكبر تهديد للديمقراطية. انظروا إلى ألمانيا تحت إشراف المستشارة (أنجيلا ميركل) مع اقتصادها المزدهر والمؤسسات الديمقراطية، ثم نلقي نظرة على جارتها بولندا، التي حاول حزبها الحاكم الاستيلاء على القضاء، أو المجر، حيث دمر (أوربان) الصحافة الحرة في البلاد. وهو يبين أنه عندما تحمي البلدان حقوق أقلياتها، فإنها تحمي أيضا حقوق أغلبية السكان كأثر جانبي. والعكس صحيح أيضاً: فعندما لا يحمون حقوق أقلياتهم، فإن حقوق كل مواطن آخر معرضة للخطر.

وفي الصيف الماضي، انتقلتُ إلى الحدود الهنغارية الصربية مع متطوع في منظمة مقرها كنيسة توفر المساعدات للاجئين. لقد كنت في المجر لمدة أسبوع لكي أدرس محاولته للفوز بتاج أكبر بلد معادي للاجئين في أوروبا. في جميع أنحاء البلاد، كانت هناك ملصقات زرقاء تحمل أسئلة مثل: "هل تعلم؟ منذ بداية أزمة الهجرة، توفي أكثر من 300 شخص في الهجمات الإرهابية في أوروبا" و "هل تعلم؟ بروكسل تريد خفض قيمة المدينة بأكملها من خلال المهاجرين غير الشرعيين في المجر" و " هل تعلم؟ ومنذ بداية أزمة الهجرة، ارتفعت مضايقات النساء ارتفاعاً حاداً في أوروبا". وكانت الحكومة تحث مواطنيها على التصويت في استفتاء ضد قبول حصص الاتحاد الأوروبي للاجئين: 1294 لاجئا في عام 2016، لبلد يقارب عدد سكانه من 10 ملايين.

وعبرنا الحدود الصربية في (روزكه) وأمضينا أربع ساعات بحثاً عن طريق للوصول إلى مجموعة الخيام التي رأيناها على جانب الطريق السريع بالقرب من الحدود. ومشينا على الطرق الترابية في الريف المهجور، والبساتين الماضية من التفاح والخوخ وأشجار البرقوق. ومن نافذة السيارة، قطفت البرقوق الأرجواني من فرع شجرة، ولم يكن ناضجاً جداً بعد.

كان هناك أطفال في مخيمات اللاجئين، الأطفال الصغار واليافعين مع أسرهم. لعبوا لعبة الكريكت وسط القمامة. وكان يكلف 1 يورو استخدام دورة المياه على الحدود. لذلك يقضي الناس حاجتهم بجوار الشجيرات بدلاً من ذلك، هذا هو المكان الذي كان بمثابة منزل مؤقت المهاجرين، حيث ينامون ويأكلون في انتظار أبواب أوروبا لفتح.

فتحنا صندوق سيارتنا وسلمنا زجاجات المياه والشوكولاتة والجوارب والملابس الداخلية. وجاءت مجموعة من الرجال، عندما عرفوا أنني هندي، صافحوا يدي وتحدثوا إليّ باللغة الأردية عن سفرهم. وكان أحدهم من مدينة لاهور الباكستانية حيث وقعت عمليات تفجير وقتل. كان متوجها هنا لبضعة أيام فقط. إن الهنغاريين لن يسمحوا له حتى وإن لم يكن لديه رغبة في البقاء في ذلك البلد، أراد أن يذهب إلى ألمانيا أو السويد. كما إن الصرب لن يسمحوا له بالعودة إلى مقدونيا. واضاف "انها مغلقة من الأمام زمن الخلف". وتوقفت سيارة سوداء كبيرة، وخرج اثنان من رجال الشرطة الصرب الكبيرين يرتدون ملابس سوداء. "يرجى الذهاب" قالوا لنا. لم يكن لدينا إذن رسمي لزيارة المخيم. وذكروا بأن الهنغاريين أسوأ من الصرب: "لديهم طائرات بدون طيار وكاميرات" لمراقبة المخيم من الجانب الآخر من السياج الحدودي.

بالنسبة للاجئين القلائل الذين ينجحون بعبور السياج فإنه لا أرض موعودة. وفي ذلك الوقت سيتم القبض على أي مهاجر يتم إمساكه في حدود خمسة أميال تقريبا من الحدود وسيتم ترحيله. ومنذ ذلك الحين تم توسيع نطاق الحكم الهنغاري ليشمل المهاجرين المحتجزين في أي جزء من البلد. وفي تشرين الثاني 2015 قال (أوربان) لصحيفة (بوليتيكو): "كل الإرهابيين هم أساساً مهاجرين". ومثلما جاء من الكثير من أقواله، كان هذا البيان خاطئاً من الناحية الواقعية، فالعديد من مرتكبي الإرهاب هم من أوروبا وأماكن أخرى، مثل (تيموثي ماكفيه) و (أندرس بهرينغ بريفيك).

وتشكو البلدان الغنية بصوت عالٍ بسبب المهاجرين الفقراء. وهذه هي الطريقة في تزوير اللعبة: أولاً استعمروا بلادنا وسرقوا كنوزنا ومنعونا من بناء صناعاتنا، وبعدها نهبونا لعدة قرون، ثم تركونا بعد أن وضعوا خرائط بطرق تكفل صراعاً دائما بين مجتمعاتنا. ثم جلبونا إلى بلدانهم كـ "عمال ضيوف" وكأنهم يعرفون ما تعني كلمة "ضيف" في ثقافاتنا! وبعد أن تراكمت اقتصاداتهم مع موادنا الخام ومع عملنا، طلبوا منا أن نعود وفوجئوا عندما لم نفعل ذلك! وسرقوا معادننا وأفسدوا حكوماتنا حتى تتمكن شركاتهم من مواصلة سرقة مواردنا؛ فقد حطموا الهواء فوقنا والمياه المحيطة بنا، مما جعل مزارعنا قاحلة، ومحيطاتنا بلا حياة، وكانوا أثقل عندما وصل الأفقر بيننا إلى حدودهم، ليس للسرقة ولكن للعمل، لتنظيف القرف وممارسة الجنس مع رجالهم.

ومع ذلك كانوا بحاجة إلينا. كانوا بحاجة إلى إصلاح حواسيبهم وشفاء مرضاهم وتعليم أطفالهم، لذلك أخذوا أفضلنا وألمعنا، أولئك الذين تم تعليمهم على حساب أكبر الدول المكافحة التي جاؤوا منها، وتم إغراؤهم مرة أخرى للعمل من أجلهم. والآن مرة أخرى يطلبون منا عدم المجيء إليهم وأن نيأس ونجوع على الرغم من أنها قد قدمتنا ككبش فداء لأنهم أغنى منا. هذه هي الطريقة التي في تزوير اللعبة الآن.

في عام 2015 قدم (شاشي ثارور) الوكيل العام السابق للأمم المتحدة لشؤون الاتصالات والإعلام، خطاباً قوياً أمام اتحاد أوكسفورد قدم فيه قضية التعويضات (الرمزية) المستحقة على بريطانيا للهند. وقال: "ان حصة الهند من الاقتصاد العالمي عندما وصلت بريطانيا الى شواطئها كانت 23 في المائة، وبحلول الوقت الذي ترك فيه البريطانيون الهند، انخفض إلى أقل من 4 في المئة. لماذا؟ ببساطة لأن الهند كانت محكومة لصالح بريطانيا. وقد تم تمويل بريطانيا لمدة 200 عام من خلال عمليات التخريب في الهند".

لماذا المكسيكيون والغواتيماليون والهندوراسيون والسلفادوريون يرغبون بشدة لانتقال شمالاً والقدوم إلى المدن الأميركية للعمل كغسالي صحون وعمال تنظيف؟ ذلك لأن الأميركيين يبيعونهم البنادق ويشترون مخدراتهم. وتشير أرقام القتال فيما بينهم إلى ما يشبه الحرب الأهلية. لذلك ينتقلون إلى سبب بؤسهم، بل ويرضون أيضاً أن يكونوا هم الدائنين. إذا كنت لا تحبهم أن ينتقلوا إلى هنا، لا تشتري المخدرات.

لماذا هاجر السوريون؟ ليس من أجل أضواء (برودواي) أو سحر الربيع في (ونتر دن ليندن)! لقد كان ذلك بسبب أن الغرب - وخاصة الأمريكيين والبريطانيين - غزوا العراق ضمن حرب غير قانونية وغير ضرورية أدت إلى تفاقم الجفاف الذي دام أربع سنوات مرتبطا بالتوتر العالمي، فتحركت العملية التي دمرت المنطقة بأسرها. لقد جنوا ما زرعه الغرب. فإذا كانت هناك أي عدالة، فإن أمريكا سوف تضطر إلى أخذ كل العرب المشردين من بيوتهم بسبب تلك الحرب، وسيتم ملء مزرعة (بوش) التي تبلغ مساحتها 1600 فدانا في ولاية تكساس بخيم تستضيف العراقيين والسوريين.

ومع ذلك، فإن المضيفين الأكثر عبئاً هم الذين لديهم دور أصغر بكثير من الولايات المتحدة في خلق المشكلة. ففي عام 2016 استضاف لبنان الذي يبلغ عدد سكانه 6.2 مليون نسمة، أكثر من 1.5 مليون لاجئ. ويوجد 84 في المائة من اللاجئين في دول العالم النامي. وقد تحركت إدارة ترامب لتقليل عدد اللاجئين الأمريكيين من 110000 إلى 50000 كاقتراح في عام 2017، وقد تزيد من الخفض في العام المقبل. تركيا على النقيض من ذلك، فمع عدد سكانها الذين يشكلون ربع حجم سكان الولايات المتحدة، فأنه لديها أكثر من 3 ملايين سوري مسجل يعيشون داخل حدودها.

كما أن البلدان التي تقبل المهاجرين مثل كندا، تقوم بعمل أفضل من البلدان التي لا تفعل ذلك، مثل اليابان. ولكن ما إذا كان ترامب أو أوربان يحبون ذلك أم لا، فإن المهاجرين سيبقون قادمين لا محالة لمتابعة سعادتهم ولحياة أفضل لأطفالهم. وإلى الأشخاص الذين صوتوا لصالحهم: لا تخافوا من القادمين الجدد، فكثير منهم من الشباب، وسيدفعون المعاشات التقاعدية لكبار السن الذين يعيشون لفترة أطول من أي وقت مضى. وسوف يجلبون الطاقة معهم، لأنه لا يوجد كم هائل من المشاريع لدى أحد أكثر من شخص ترك منزله البعيد لقطع الرحلة الصعبة إلى هنا، سواء أتى بشكل قانوني أم لا. وبالنظر إلى الفرص الأساسية، سيكون سلوكهم أفضل من الشباب في الأراضي التي ينتقلون إليها، لأن المهاجرين في معظم البلدان لديهم معدلات جرمية أقل من المولودين. وسوف تخلق الوظائف، وسوف يتم الطبخ والرقص والكتابة بطرق جديدة ومثيرة. إنهم سيجعلون بلدانهم الجديدة أكثر ثراء، بكل معاني الكلمة. إن أسطول المهاجرين القادم إلى شواطئكم هو في الواقع أسطول إنقاذ.

سوكيتو ميهتا \ مـجـلـة فــوريــان بــولــيــســـي

ترجمة وتدقيق: المنتدى الاقتصادي السوري