Loading...

المقالات

معرض دمشق الدولي، الوجه الآخر للقصة

معرض دمشق الدولي، الوجه الآخر للقصة

معرض دمشق الدولي، الوجه الآخر للقصة

المنتدى الاقتصادي السوري - 23 آب/أغسطس 2017

يعتبر قطاع المعارض والمؤتمرات أحد الأساليب التسويقية الفعّالة للترويج لمنتجات الدول المنظمة لها، فخلال العقود الأخيرة اكتسبت أهمية كبيرة ونالت قسطاً وافراً من الاهتمام الدولي والحكومي نظرا لأهميته الاقتصادية والاجتماعية.

ويمكن للحكومات جني العديد من الثمار الاقتصادية نتيجة تنظيمها للمعارض المتخصصة والمتنوعة، حيث يساعد هذا القطاع في الترويج للمنتجات الوطنية باعتباره يمثل نافذة لدول العالم لعرض منتجات البلد المنظم، كما يزيد من تنافسية هذه المنتجات دولياً بالمقارنة مع مثيلاتها من دول أخرى، ويوفر مورد مادي مهم للدول المضيفة لها يُضاف إلى الناتج القومي الإجمالي، ويساعد على تعزيز الصادرات المحلية، ويؤدي إلى تنشيط القطاع السياحي في البلد المضيف، كما يوفر العديد من الوظائف في جميع القطاعات الاقتصادية وخاصة السياحية منها مما يساعد على الحد من البطالة وبالتالي الحد من الفقر.

 

ويعتبر معرض دمشق الدولي أحد أقدم المعارض الدولية في المنطقة، حيث أقيم لأول مرة في الأول من أيلول عام 1954 واستمر لمدة شهر كامل بمشاركة 26 دولة عربية وأجنبية فضلا عن مشاركة العديد من المؤسسات والشركات الصناعية السورية فيه، وبلغ عدد زواره المليون زائر من مختلف الدول، وشكّل معرض دمشق الدولي منذ تأسيسه منفذاً حيوياً وقاعدة للالتقاء بالآخر والتعرف إليه وتبادل العلوم و المنتجات والابتكارات التقنية بين الدول، بالإضافة إلى دوره الأساسي في التعريف بالمنتجات السورية وتسويقها وتصديرها. ومن جهة أخرى ساهم على مر السنوات بالتعريف بالتاجر والصناعي السوري على الصعيد الداخلي والخارجي فكان عاملاً مهماً في تقوية الروابط الاقتصادية بين سورية والعالم.

وكانت آخر دورة للمعرض منذ بداية الاحتجاجات في سوريا عام 2011، بدورته الـ 58 ليتوقف بعدها لمدة خمس سنوات كاملة نتيجة الأعمال الحربية في المناطق القريبة من أرض المعارض في دمشق، وحظيت هذه الدورة بمشاركة 22 دولة عربية وأجنبية بشكل رسمي، ووصل عدد الزائرين إلى 54 ألف في حين تجاوز عدد الزائرين في دورة 57 عام 2010 حاجز الـ 700 ألف زائر.

وبعد توقف للمعرض دام 5 سنوات وبعد استعادة قوات الأسد الأراضي القريبة من أرض المعارض الدمشقية  قررت حكومة الأسد المُضي بإعادة تشغيل المعرض، وبعد عدد من الزيارات المكوكية قام بها ممثلون عن حكومة الأسد إلى دول صديقة لهم وخاصة الصين وروسيا و إيران، تمكنت الحكومة أخيراً بالإعلان عن إقامة الدورة /59/ لمعرض دمشق الدولي لتنطلق أعماله من 17 حتى 26 آب من العام 2017.

ووفقاً للبيانات الصادرة من الجهات المنظمة للمعرض في حكومة الأسد، فقد بلغ عدد الدول المشاركة في المعرض 43 دولة بالإضافة لمشاركة القطاعين العام والخاص السوريين، وتفصيلاً فقد بلغ عدد الدول العربية المشاركة في المعرض 10 دول وهي (العراق، مصر، السودان، فلسطين، لبنان، اليمن، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الأردن وعُمان).  كما شاركت 15 دولة أوروبية وهي (روسيا، التشيك، بيلاروسيا، أرمينيا، بلجيكا، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، بولندا، هولندا، إسبانيا، بلغاريا، اليونان، إيطاليا بالإضافة إلى الدنمارك).  كما شهدت هذه الدورة مشاركة أجنبية عديدة حسب بيانات حكومية وهي (كندا، البرازيل، فنزويلا، كوبا، جنوب أفريقيا، جمهورية بلغاريا، الصين، إيران، إندونيسيا، الهند، كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية، اليابان، هونغ كونغ، تايلاند، ماليزيا، تايوان).

كما شهدت هذه الدورة أيضاً أعلى نسبة إشغال للمعرض حسب تصريحات وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية في حكومة الأسد "أحمد حسام الخليل" حيث قال بأن المعرض بني على مساحة تقدر 60 ألف متر مربع لا يبقى متر واحد فارغاً على حد وصفه.

كما بلغ عدد المشاركين في المعرض 1300 رجل أعمال، ومن المتوقع أن يصل عدد الزوار من 60 إلى 70 ألف زائر في حين كان عدد الزوار في آخر دورة للمعرض 54 ألفاً.  لتعلن الحكومة عن تحقيق المعرض لأرقام قياسية جديدة لم تحقق سابقا في تاريخه من حيث نسبة الإشغال والدول المشاركة وعدد الزائرين!

 

وهنا يتساءل متابع، كيف استطاع معرض دمشق الدولي بدورته 59 أن يحقق كل هذه الأرقام في ظل الظروف التي تمر بها سوريا حالياً، وكيف شاركت دول أوروبية عديدة فيه رغم العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبلها على نظام الأسد؟

ويرجع ذلك إلى جملة من الأسباب التي قد تكون تنازلات من حكومة الأسد للدول المشاركة وأطماع اقتصادية لدول أخرى أو تضخيم إعلامي من وسائل الإعلام التابعة لنظام الأسد.  وتفصيلا يمكن أن نحصر الأسباب بالنقاط التالية:

 

  1. السماح لأول مرة للمشاركين الأجانب في المعرض ببيع منتجاتهم الصالحة للاستهلاك المحلي المشمولة بالاعفاءات الجمركية إذا كان المنشأ ايرانياً أو من أحد الدول العربية المنضمة لاتفاقية المنطقة الحرة العربية بالبيع المباشر في المعرض، وهذا يعتبر تغييراً جوهرياً للهدف الذي أقيم المعرض لأجله وهو الترويج للصناعة المحلية السورية، وخرقاً لسياسات الحمائية الاقتصادية التي انتهجها نظام الأسد ويدعيها بغرض حماية المنتج الوطني لعقود مضت، مما يؤثر على التصدير ويزيد من الاستيراد ويؤثر على حجم الإنتاج المحلي وبالتالي على الناتج القومي السوري على المدى البعيد، وهذا ما يستند عليه الاقتصاديون في نقدهم للسياسات الحكومية المتساهلة مع الشركات الإيرانية خلال السنوات الماضية.

  2. تقديم إعفاءات جمركية للاستيراد والتصدير للبضائع المشاركين في المعرض فيما يُعرف عن قوانين التصدير في سوريا الصرامة والصعوبة، بالإضافة إلى تخفيضات كبيرة في تكاليف شحن البضائع من وإلى سوريا.

  3. المشاركة الواسعة من قبل الحليفتين الرئيسيتين لنظام الأسد وهم إيران وروسيا، وتقديم تسهيلات عديدة لشركاتهم، حيث اعترف رئيس حكومة الأسد عماد خميس في تصريح له "الأولوية ستعطى للدول الصديقة التي ساندت سوريا في حربها ضد الإرهاب".

  4. أطماع بعض الدول بحصة في ملف إعادة إعمار سوريا ومنها مصر حيث شدد أحمد الوكيل رئيس اتحاد غرف التجارة المصرية والذي ترأس وفد مصر المشارك في معرض دمشق الدولي العمل للمرحلة المقبلة على التعاون بشكل واسع في إعادة إعمار سوريا، مشيراً أنه حان الوقت أن نعمل جميعا من أجل مستقبل أفضل لشباب البلدين.

  5. البيانات الحقيقية للدول المشاركة في المعرض تظهر بمشاركة 23 دولة بشكل رسمي، أما البقية مثل فرنسا وبريطانيا فمشاركة شركاتها جاءت من خلال وكلائهم الرسميين في سوريا وليس بشكل مباشر من الشركة الأم.

  6. إجبار عدد من الشركات السورية أصحاب الوكالات من شركات أوروبية وعالمية على المشاركة في المعرض.

وبالتالي لا يمكن الحديث عن مقارنة النشاط الفعلي للدورة 59 بالدورات السابقة له، ولا يمكن الحديث عن كسر أرقام قياسية لدورات المعرض السابقة في ظل هذه التنازلات التي قدمتها حكومة الأسد للمشاركين في الدورة الحالية، وخاصة في ظل تحويله لسوق بيع مباشر للمستهلك المحلي و المتعطش أصلا للعديد من المواد والبضائع الاستهلاكية.

 

وأخيراً لا بد من التنويه على أن معرض دمشق الدولي ذو أهمية اقتصادية كبيرة يمكن أن يستفيد منه القطاع الخاص بشقيه التجاري والصناعي،وهو ملك لسوريا لا لحكومة بعينها، فمن مصلحة أي سوري أن يكون هذا المعرض ناجحا يعكس الصورة الحقيقية للمنتجات السورية عالمياً، ولكن يجب ألا يقتصر مشاركوه على دول صديقة لحكومة الأسد كما وصفها رئيسها سابقاً.