12/07/2017

البادية السورية .. الأهمية الاستراتيجية لسوريا “غير المفيدة” – الجزء الثاني

البادية السورية .. الأهمية الاستراتيجية لسوريا “غير المفيدة” – الجزء الثاني

المنتدى الاقتصادي السوري – 12 حزيران 2017 | 03:10 PM

تحدثنا في جزئنا الأول من الأهمية الاستراتيجية للبادية السورية، وكيف سعى نظام الأسد بشكل ممنهج، إلى تهميش المدن الواقعة في المنطقة الشرقية، موجّها كل تركيزه على “سوريا المفيدة” التي تمتد من دمشق جنوباً حتى حلب شمالاً، بما في ذلك المناطق المطلة على البحر المتوسط، سواء قبل بداية الحرب في سوريا، حين كانت معظم مشاريعه التنموية تُقام في المحافظات الغربية دون الشرقية، أو بعد بداية الحرب حين صرف نظام الأسد جلّ تركيزه العسكري على عدم خسارة أي من المناطق الغربية متناسياً بشكل تام المنطقة الشرفية.

لكن للمنطقة الشرقية أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لسوريا ككل، أو حتى بالنسبة إلى بعض الدول الإقليمية كإيران التي تسعى لإنشاء مصالح اقتصادية أكبر مع الجانب الغربي من العالم.

إن التنوع العشائري والامتداد الجغرافي للبادية السورية، التي تشغل 55% من مساحة سوريا، جعلها محطة مهمة، للصراع عليها من قبل عدة قوى دولية، ولعل الأهمية الاستراتيجية للمنطقة الشرقية تتمثل بالجوانب التالية:

  • تشكل المنطقة الشرقية السورية الممر الأساسي لأنابيب تصدير النفط والغاز من مختلف البلدان الإقليمية كإيران والعراق، حيث أن خط أنابيب الغاز العربي المُنتج في مصر والذي يمر عبرها إلى لبنان ثم إلى أوروبا، إضافة إلى خط أنابيب النفط من حقل كركوك في العراق إلى ميناء بانياس السوري والذي يمر عبرها أيضا. كما أن إيران تخطط لنقل ثروتها من النفط والغاز عبر البادية السورية إلى السواحل السورية واللبنانية.

 للمزيد يمكن مراجعة تقرير سابق أعده “المنتدى الاقتصادي السوري” حول ملف الغاز بعنوان سوريا ولعنة الغاز

  • وجود العديد من الثروات الباطنية في البادية السورية، مثل الفوسفات والغاز والنفط واحتوائها على مياه وفيرة إذ يمر نهري الفرات ودجلة فيها، وتعتبر صندوق سوريا الزراعي لما تنتجه أراضيها من منتجات ذات أهمية استراتيجية، مثل القمح والقطن.
  • تعتبر السوق الأولي لمناطق غرب سوريا، فمعظم معامل النسيج من حلب تعتمد على القطن المزروع في المنطقة الشرقية، إضافة إلى أن مصافي النفط في بانياس وحمص تعتمد على النفط المورد منها.

صراع القوى

إيران:

ترغب إيران في إيجاد ممر بري لها يضمن نقل إنتاجها من النفط والغاز إلى الساحل السوري، وهذا الطريق يمر في جنوب البادية السورية التي تعتبر جسراً بين العراق والساحل السوري ولبنان، حيث تصاعدت العمليات الحربية في مناطق القلمون والغوطة الشرقية، وعلى الطريق الدولي الذي يربط دمشق ببغداد بين الميليشيات المدعومة من إيران وقوات نظام الأسد من جهة، وبين قوات المعارضة من جهة أخرى.

وعلى الجانب الآخر من البادية السورية نجد احتداماً للمعارك أيضاً، في منطقة “التنف” على الحدود السورية العراقية، فيقوم الحشد الشعبي المدعوم من إيران بمحاولة السيطرة على هذه المنطقة الحدودية، ثم ترد الولايات المتحدة الأمريكية عليها بإقامة قاعدة عسكرية فيها لمحاولة قطع الطريق على إيران التي تهدف لربط حدودها البرية مع سواحل البحر المتوسط مرورا بالعراق، وتعتبر منطقة “التنف” النقطة الاستراتيجية الأهم في هذا الممر.

روسيا:

بالنسبة لروسيا فبعد أن سيطرت بشكل كامل على الساحل السوري المُطل على البحر المتوسط، فمن مصلحتها كذلك، أن تؤمّن إيران الممر البري الذي يمكّنها من نقل ثرواتها إلى الساحل السوري، وبذلك تستطيع روسيا تسويقه حسب مقتضى الحاجة، مما يعطيها قوة أكبر لتتحكم بسوق الغاز وتسويقه في دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يعزز من موقفها السياسي والاقتصادي أكثر.

كما ترغب روسيا بالظفر بملف إعادة الإعمار في المنطقة الشرقية وإعادة تأهيل حقول النفط والغاز هناك، ومنح شركاتها حق التنقيب عن الثروات الباطنية في البادية السورية.

الولايات المتحدة الأمريكية:

تبرر الولايات المتحدة الأمريكية تواجدها وتدخلها العسكري في هذه المنطقة بحربها على “داعش”، وقيادتها للعمليات الجوية لضربات التحالف الدولي في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش.

لكن الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية بذريعة الإرهاب علمتنا دائماً، أن لأمريكا مصالح اقتصادية خفيّة، يجعلها تتدخل عسكرياً كما حصل، في العراق سابقاً.

إن البادية السورية ماهي إلا امتداد جغرافي طبيعي للأراضي العراقية الغنية بالثروات الباطنية، وبالتالي فإن سيطرة الولايات المتحدة على البادية السورية يعني سيطرتها على كامل ثروات المنطقة فعلياً، عداك على أنها سوف تسيطر على الممر التجاري البري الذي يربط بين الشرق والغرب مما يعطيها عمقاً استراتيجياً أبعد في المنطقة، ويحفظ مصالحها ويحقق التوازن في المنطقة حسب منظورها وخصوصا مع تواجد روسيا على السواحل السورية.

تركيا

يتجسد تخّوف الحكومة التركية بتمكن قوات “سوريا الديمقراطية الكردية” من تأسيس دولتها الموحّدة في شمال شرق المنطقة الشرقية السورية، التي تمتد على كامل الحدود السورية التركية، والذي تعتبره أنقرة تهديداً لأمنها القومي، ما دفعها للتدخل العسكري في الشمال السوري سابقاً عبر عملية “درع الفرات” وسيطرة قوات المعارضة السورية على مدن جرابلس والباب من خلالها، وبهذه العملية تكون أنقرة قد فصلت ما بين الأكراد غرب الفرات والأكراد شرق الفرات.

ناهيك على أن الأكراد سيكونون حراس الولايات المتحدة الأمريكية على حقول النفط في البادية السورية، وسوف يتحكمون “إن نجحوا” في إمدادات النفط والغاز القادمة من إيران براً، الأمر الذي سيعطيهم قوة اقتصادية أكبر في المنطقة وهذا يزيد مخاوف أنقرة أكثر.

كما يجب ألا نغفل المشروع الحلم لدولة قطر، في مد انبوب الغاز من أراضيها إلى تركيا مروراً بالسعودية والأردن والبادية السورية.  فسيطرة أي طرف آخر على المنطقة الشرقية غير تركيا أو أحد فصائل قوى المعارضة المدعومة من قطر يعني استحالة تنفيذ هذا المشروع تماماً.

 

إلى أين؟

“من يسيطر على البادية السورية “يحكم العالم”، إن نجاح روسيا وإيران ونظام الأسد بالسيطرة عليها يعني نصراً في الحرب وعمقاً استراتيجياً في المنطقة، وبقاء روسيا المسيطر الوحيد على امدادات الغاز إلى الدول الأوروبية المتعطشة له.

أما نجاح قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، يعني إضعاف لقوى روسيا وإيران المتنامية وتحقيق توازن للقوى في المنطقة مع بقاء روسيا متواجدة على سواحل البحر المتوسط، إضافة إلى نقل صراع الاقتصاد الدولي بينهما إلى الداخل السوري، الأمر الذي سيزيد من التباعد بين أطياف الشعب السوري في شرق وغرب البلاد.

أما نجاح تركيا بإيقاف المد الكردي في البادية السورية، يعني أملا أكبر في لعب دور استراتيجي فعال في صناعة القرار، واحياء حلم إقامة مشروع نقل الغاز القطري إليها.

وبعد كل هذا الحديث عن القوى اللاعبة في المنطقة الشرقية السورية، والأهمية الاستراتيجية لها لا نجد لأي طرف سوري دوراً محورياً في صناعة أو التأثير على مستقبل هذا المنطقة السورية، مستمرين بالتحالفات والخلافات المتنامية فيما بينهم متناسين الهدف الأكبر، وتاركين الساحة خالية لبقية القوى لكي تصنع وتملي قراراتها وأفكارها.

Related Posts

Comments are closed.