05/07/2017

الأهمية الاستراتيجية لسوريا “غير المفيدة” – الجزء الأول

الأهمية الاستراتيجية لسوريا “غير المفيدة” – الجزء الأول

المنتدى الاقتصادي السوري – 05 حزيران 2017 | 02:50 PM

“سوريا المفيدة” عبارة باتت تُستخدم كثيراً في وسائل الإعلام الغربية، تعبيراً عن المناطق الممتدة بين دمشق وحلب؛ متضمنة المناطق الساحلية السورية من الحدود اللبنانية جنوباً حتى الحدود التركية شمالاً.  وقد بذل نظام الأسد أقصى طاقاته الحربية، مع الاستعانة بقوى خارجية متمثلة بالقوات الروسية والمليشيات المدعومة من إيران للحفاظ على هذه المناطق وعدم خروجها من سيطرته.

لكنه تناسى الجزء الآخر من سوريا “سوريا غير المفيدة”، ولم يعيرها أي اهتمام أو حتى يقاتل للحفاظ على وحدتها، بل كانت قواته تنسحب بسرعة عند أي هجوم على مناطقها، وتتألف “سوريا غير المفيدة” من منطقتين هما “البادية السورية” و “الجزيرة السورية”، لتشكل مساحتها أكثر من 55% من المساحة الكلية السورية

لم يقتصر تهميش النظام  لهذه المناطق خلال حربه الدائرة الآن فقط، بل عانت هذه المناطق خلال فترة حكم حزب البعث من تهميش ممنهج، شمل قطاعات الخدمات العامة، والتعليم، والصحة، بل بات يطلق على سكان المنطقة في وسائل الإعلام وفي الدوائر القانونية التابعة له “سكان المناطق النائية” في إشارة إلى عدم أهمية هذه المنطقة بالنسبة لرجالات النظام الحاكم.

نتيجة لهذا التهميش السابق والآني لحكومة الأسد، فقد تنامت فيها القوات المتطرفة بشكل متزايد حتى باتت تسيطر على معظم البادية السورية، التي تحتوي معظم آبار النفط فيها، فضلاً عن التواجد الأمريكي في أقصى شرق البادية على الحدود العراقية (قاعدة التنف العسكرية)، وسيطرة قوات المعارضة السورية على أجزاء واسعة من القلمون والغوطة الشرقية، مما يعطي تصوراً على أن نظام الأسد يضع في أولوياته بقاء “سوريا المفيدة” تحت سيطرته غير مبالي بسوريا “غير المفيدة”،  متناسياً الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لهذه المنطقة، والتي تنبأت بها قوى خارجية وغريبة عن سوريا قبل أن يتنبأ بها النظام نفسه.

فمؤخراً، بدأت عمليات عسكرية كبيرة من عدة أطراف لمحاولة السيطرة على شرق سوريا، من قبل النظام والميليشيات المدعومة من إيران من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، وذلك لمحاولة إعادة السيطرة على البادية السورية لما تتميز به من ثروات كبيرة، إضافة إلى الأهمية الاستراتيجية لموقعها الجغرافي والذي سنتناوله تفصيلاً في هذا التقرير.

تحتضن البادية السورية معظم الثروات الباطنية ذات الأهمية الكبيرة في مجمل الاقتصاد الكلي السوري، ففيها جميع حقول النفط الذي يعد الركيزة الأساسية من ركائز الاقتصاد السوري، إذ قدرت احتياطيات سوريا من النفط بحوالي 2.5 مليار برميل والتي تمثل 0.2% من الاحتياطيات العالمية، وهذه الكمية تقارب الاحتياطيات النفطية للمملكة المتحدة، وبلغ إنتاج سوريا من النفط عام 2010 حوالي 385 ألف برميل يومياً، وتستخدم سوريا 45% من النفط الثقيل وتصدر الباقي، كما تستهلك حوالي ثلث كمية إنتاج النفط الخفيف وتقوم بتصدير الباقي.

 كما يتواجد فيها حقول الغاز الطبيعي، حيث بلغت احتياطيات سوريا من الغاز حوالي 0.3 مليار متر مكعب في نهاية عام 2010 حسب تقرير “وكالة الطاقة العالمية”، وتتركز هذه الاحتياطات في ثلاث حقول رئيسية في مدينة تدمر الأثرية في وسط البادية السورية، وظهرت مؤخراً عدة دراسات منها ما قام به “مركز فيرل للدراسات” في برلين يزعم بأن احتياطات الغاز في تدمر تكفي سوريا وحدها لمدة تصل إلى \19\ سنة!.

وتكثر في البادية أيضاً مناجم الفوسفات، إذ بلغ إنتاج سوريا من الفوسفات عام \2007\ ثلاثة ملايين طن تقريبا حسب “المكتب المركزي للإحصاء” ما جعلها تحتل المرتبة الرابعة عربياً في إنتاج مادة الفوسفات، ويتم تصدير أكثر من 75% من الإنتاج الكلي إلى دول عدة عربية أو أوروبية.

وتمثل الجزيرة السورية أيضاً أهمية استراتيجية، فهي تمثل الصندوق الغذائي السوري، فوفقاً للبيانات الصادرة من “المكتب المركزي للإحصاء” فإن محافظات المنطقة الشرقية السورية أنتجت عام 2010، ما يعادل 57% من إنتاج سوريا من القمح، وما يعادل 75% من إنتاج سوريا من القطن. إضافة الى العديد من المنتجات الزراعية الأخرى، كالكمون والشعير والعدس. بالإضافة إلى الثروة المائية التي تمتلكها المنطقة والتي تتمثل بوديان طبيعية تشكل تجمعات مائية لمياه الأمطار الغزيرة فيها، إضافة الى نهري الفرات ودجلة اللذان يشكلان حدودها الجنوبية والشمالية على الترتيب.

سنتابع حديثنا عن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة الشرقية السورية في جزئنا الثاني في نشرتنا الأسبوعية القادمة، وسوف نتناول مصالح الدول الإقليمية فيها، وماهي مكاسب ومغارم كل منها في حال سيطرت عليها. وماهي السيناريوهات الممكن حدوثها مستقبل “سوريا غير المفيدة”

Related Posts

Comments are closed.