21/06/2017

من يسيطر على البادية السورية، يحكم المنطقة

من يسيطر على البادية السورية، يحكم المنطقة

المنتدى الاقتصادي السوري – 21 حزيران/يونيو 2017 | 04:05 PM

الأهمية الاستراتيجية لسوريا “غير المفيدة”

“سوريا المفيدة” عبارة باتت تُستخدم كثيرا في وسائل الإعلام الغربية تعبيراً عن المناطق الممتدة بين دمشق وحلب متضمنة المناطق الساحلية السورية الممتدة من الحدود اللبنانية جنوباً حتى الحدود التركية شمالاً.  وقد بذل نظام الأسد أقصى طاقاته الحربية ومستعيناً بقوى خارجية متمثلة بالقوات الروسية والمليشيات المدعومة من إيران للحفاظ على هذه المناطق وعدم خروجها من سيطرته.

ولكن على الجانب الآخر واستكمالا لأجزاء سوريا والتي سنطلق عليها مجازاً “سوريا غير المفيدة” حسب الرؤية الاستراتيجية لنظام الأسد الذي لم يتناساها خلال حربه الدائرة الآن فقط! بل عانت أيضا خلال سنوات حكم حزب البعث من تهميش ممنهج، شمل تغييب خطط التنمية المحلية عنها لعقود من الزمن مما جعلها تحت وطأة التخلف الاقتصادي والاجتماعي حيث أن المؤشرات الاجتماعية فيها بلغت أدنى مستوياتها على المستوى الوطني السوري عام 2010، حيث وصلت نسبة الأمية فيها إلى 30% مقارنة بنسبة 15% على المستوى الكلي.

نتيجة لهذا التهميش السابق و الآني لحكومة الأسد فقد تنامت فيها القوات المتطرفة بشكل متزايد حتى باتت تسيطر على معظم البادية السورية التي تحتوي معظم آبار النفط فيها، فضلا عن التواجد الأمريكي في أقصى شرق البادية على الحدود العراقية، وسيطرة قوات المعارضة السورية على أجزاء واسعة من القلمون والغوطة الشرقية مما يعطي تصوراً على أن نظام الأسد يضع في أولوياته بقاء “سوريا المفيدة” تحت سيطرته غير مبالي بسوريا “غير المفيدة”،  متناسياً الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لهذا المنطقة والتي تنبأت له قوى خارجية وغريبة عن سوريا قبل أن يتنبأ به النظام نفسه.

فمؤخرا بدأت عمليات عسكرية كبيرة من عدة أطراف لمحاولة السيطرة على شرق سوريا من قبل النظام والميليشيات المدعومة من إيران من جهة، اضافة الى قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لمحاولة إعادة السيطرة على البادية السورية لما تتميز به من ثروات كبيرة اضافة الى الأهمية الاستراتيجية لموقعها الجغرافي والذي سنتناوله تفصيلا في هذا التقرير.

المنطقة الشرقية جغرافياٌ

تنقسم المنطقة الشرقية إلى قسمين:

1- البادية السورية :تتوزع المنطقة الشرقية السورية وسط وشرق سوريا داخل حدود الدولة السورية على عدة محافظات، فهي تشكل القسم الشمالي الشرقي من محافظة درعا، ومحافظة الحسكة، تحد القسم الشرقي منها من محافظة حمص، وتشكل 76 في المئة من ريف دمشق. أما في حلب فهي تقع في الجهة الجنوبية الشرقية ممتدة الى الحدود العراقية السورية.

2- الجزيرة السورية: وفي الشمال الشرقي نهر الفرات الذي ينبع من الأراضي التركية والذي يجري عابراً سوريا متجهًا إلى العراق، تقع منطقة الجزيرة الخصبة المسقية من روافد نهر الفرات، وتتوفر في هذه المنطقة  قدرا كبيرا من محاصيل الحبوب والقطن. وقد اكتشف النفط والغاز الطبيعي في أقصى الجزء الشمالي الشرقي من الجزيرة وعزز هذا الاكتشاف كثيرا القدرة الاقتصادية للمنطقة. 

ثروات المنطقة الشرقية

النفط

يعد قطاع النفط في سوريا ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد السوري، وتقع معظم احتياطيات النفط في سوريا في المنطقة الشرقية.  وقدرت احتياطيات سوريا من النفط بحوالي 2.5 مليار برميل والتي تمثل 0.2% من الاحتياطيات العالمية، وهذه الكمية تقارب الاحتياطيات النفطية للمملكة المتحدة، وبلغ إنتاج سوريا من النفط عام 2010 حوالي 385 ألف برميل يومياً، وتستخدم سوريا 45% من النفط الثقيل وتصدر الباقي، كما تستهلك حوالي ثلث كمية إنتاج النفط الخفيف وتقوم بتصدير الباقي.

وتتوزع حقول انتاج النفط في سوريا على محافظات المنطقة الشرقية وفق الآتي:

دير الزور

العمر، التيم ، التنك، الجفرة، الورد، حريجي، الملح، القصيبة،  لسياد، رويس

الحسكة

الشدادي، الجبسة ، الهول، مركدة

الرقة

وادي عبيد.

شرقي حمص

حقل جزل – حقل الهيل.

ولمزيد من المعلومات عن  النفط في سوريا يمكنكم مراجعة دراستنا السابقة بعنوان: النفط القاتل

الغاز

تبلغ احتياطيات سوريا من الغاز حوالي 0.3 مليار متر مكعب في نهاية عام 2010 حسب تقرير لوكالة الطاقة العالمية، وتتركز هذه الاحتياطات في ثلاث حقول رئيسية في مدينة تدمر الأثرية في وسط البادية السورية، وظهرت مؤخرا عدة دراسات منها ماقام به “مركز فيرل للدراسات” في برلين يزعم بأن احتياطات الغاز في تدمر تكفي سوريا وحدها لمدة تصل إلى 19 سنة!

ويبدو أن قضية الغاز من القضايا الحساسة في الملف السوري، حيث تشير العديد من الدراسات منها ما  قامت حكومة النظام السوري بنشرها على وجود العديد من الأحواض النفطية التي تحتوي على الغاز والنفط موزعة على مناطق في البادية السورية وعلى السواحل السورية أيضا، ولكن لم يتم التنقيب عنها بعد لتدخلات دولية عديدة.

الفوسفات

تحتوي البادية السورية على كميات وفيرة من خامات الفوسفات التي تمتلك إمكانيات دعم الاقتصاد السوري الكلي بشكل مستمر، إذ بلغ إنتاج سوريا من الفوسفات عام 2007 ثلاثة ملايين طن تقريبا حسب “المكتب المركزي للإحصاء” ما جعلها الرابعة عربياً في إنتاج مادة الفوسفات، ويتم تصدير أكثر من 75% من الإنتاج الكلي إلى دول عدة عربية أو أوروبية.

و تتوزع خامات الفوسفات في سوريا في مناطق البادية السورية وتحديدا في المناطق التالية:

  1. السلسلة التدمرية: حيث اكتشفت في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي في سفوح جبل بلدة “السخنة” الواقعة على يسار طريق دمشق – تدمر – دير الزور، وتتواجد خامات الفوسفات فيها تحديدا في منطقة “خنيفس” والتي تعد من أهم مناطق استخراج الفوسفات في سوريا من حيث النوعية وهي الأقدم من حيث الاستخراج. كما تتواجد خامات الفوسفات في المنطقة الشرقية التي تقع إلى شمال شرقي منطقة خنيفس بنحو 30 كم وتبعد عن طريق دمشق – تدمر الرئيسي بنحو 5 كم، أما المنطقة الثالثة فهي منطقة “العويد” التي تقع على يمين طريق تدمر – حمص.
  2. منطقة الحماد: تتواجد مادة الفوسفات في مناطق واسعة من منطقة الحماد، ولكنها تتصف بأنها حديثة التكوين.

المنطقة الساحلية.

المنتجات الزراعية

وفقا للبيانات الصادرة من “المكتب المركزي للإحصاء” فإن محافظات المنطقة الشرقية السورية أنتجت عام 2010، ما يعادل 57% من إنتاج سوريا من القمح، وما يعادل 75% من إنتاج سوريا من القطن. اضافة الى العديد من المنتجات الزراعية كالكمون والشعير والعدس.

الثروة المائية

إن اراض المنطقة الشرقية الواسعة الامتداد تحتوي على الكثير من الوديان ما يجعلها بحيرات طبيعية تجمع مياه الأمطار المتساقطة، اضافة الى مرور نهر الفرات من نصفها بجميع تفرعاته، كما تحتوي على أكبر بحيرة صناعية (بحيرة الثورة)، اضافة الى مرور نهر دجلة من أقصى الشمال الشرقي على الحدود العراقية.

الأهمية الاستراتيجية للمنطقة الشرقية

إن التنوع العشائري والامتداد الجغرافي للبادية السورية الذي تشغل 55% من مساحة سوريا جعلها محطة للصراع عليها من قبل عدة قوى دولية، حيث تبرز الأهمية الاستراتيجية للمنطقة الشرقية في الجوانب التالية:

  • تشكل المنطقة الشرقية السورية الممر الأساسي لأنابيب تصدير النفط والغاز من مختلف البلدان الإقليمية كإيران والعراق، حيث أن خط أنابيب الغاز العربي المُنتج في مصر والذي يمر عبرها إلى لبنان ثم إلى أوروبا، إضافة إلى خط أنابيب النفط من حقل كركوك في العراق إلى ميناء بانياس السوري والذي يمر عبرها أيضا. كما أن إيران تخطط لنقل ثروتها من النفط والغاز عبر البادية السورية إلى السواحل السورية واللبنانية.

للمزيد يمكن مراجعة تقرير سابق أعده “المنتدى الاقتصادي السوري” حول ملف الغاز بعنوان سوريا ولعنة الغاز

 

  • وجود العديد من الثروات الباطنية في البادية السورية مثل الفوسفات والغاز والنفط واحتوائها على مياه وفيرة إذ يمر نهري الفرات ودجلة منها، وتعتبر صندوق سوريا الزراعي لما تنتجه أراضيها من منتجات ذات أهمية استراتيجية مثل القمح والقطن.
  • تعتبر السوق الأولي لمناطق غرب سوريا، فمعظم معامل النسيج من حلب تعتمد على القطن المزروع في المنطقة الشرقية، إضافة إلى أن مصافي النفط في بانياس وحمص تعتمد على النفط المورد منها.

صراع القوى

إيران

ترغب إيران في إيجاد ممر بري لها يضمن نقل إنتاجها من النفط والغاز إلى الساحل السوري، وهذا الطريق يمر في جنوب البادية السورية التي تعتبر جسراً ما بين العراق والساحل السوري ولبنان، إذ تصاعدت العمليات الحربية في مناطق القلمون والغوطة الشرقية والطريق الدولي الذي يربط بين دمشق وبغداد بين الميليشيات المدعومة من إيران وقوات النظام السوري من جهة وبين قوات المعارضة من جهة أخرى.

وعلى الجانب الآخر من البادية السورية نجد احتدام المعارك أيضاً في منطقة “التنف” على الحدود السورية العراقية، فيقوم الحشد الشعبي المدعوم من إيران بمحاولة السيطرة على هذه المدينة الحدودية، قم ترد الولايات المتحدة الأمريكية عليها بإقامة قاعدة عسكرية فيها لمحاولة قطع الطريق على إيران التي تهدف لربط حدودها البرية مع سواحل البحر المتوسط مرورا بالعراق، وتعتبر التنف النقطة الإستراتيجية المهمة في هذا المرر.

روسيا

بالنسبة لروسيا فبعد أن سيطرت بشكل كامل على الساحل السوري المطل على البحر المتوسط فمن مصلحتها أن تستطيع إيران أن تؤمن الممر البري الذي يمكّنها من نقل ثرواتها إلى الساحل السوري، وبذلك تستطيع روسيا تسويقه حسب مقتضى الحاجة، مما يعطيها قوة أكبر للتحكم بسوق الغاز وتسويقه في دول الاتحاد الأوروبي، وبالتالي يعزز ذلك من موقفها السياسي والاقتصادي أكثر.

كما تود روسيا أيضاً بالظفر بملف إعادة الإعمار في المنطقة الشرقية وإعادة تأهيل حقول النفط والغاز هناك، ومنح شركاتها حق التنقيب عن الثروات الباطنية في البادية السورية.

الولايات المتحدة الأمريكية

تبرر الولايات المتحدة الأمريكية تواجدها وتدخلها العسكري في هذه المنطقة بحربها على داعش، وقيادتها للعمليات الجوية لضربات التحالف الدولي للواقع التي تسيطر عليها قوات داعش.

لكن الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية بذريعة الإرهاب علمتنا أن دائماً ما يكون لأمريكا مصالح اقتصادية خفيّة يجعلها تتدخل عسكرياً كما حصل للعراق سابقاً.  إن البادية السورية ماهي إلا امتداد جغرافي طبيعي للأراضي العراقية الغنية بالثروات الباطنية، وبالتالي فإن سيطرة الولايات المتحدة على البادية السورية يعني سيطرتها على كامل ثروات المنطقة فعلياً، عداك على أنها سوف تسيطر على الممر التجاري البري الذي يربط بين الشرق والغرب مما يعطيها عمقاً استراتيجياً أبعد في المنطقة، و يحفظ مصالحها ويحقق التوازن في المنطقة حسب منظورها وخصوصا مع تواجد روسيا على السواحل السورية.

تركيا

يتجسد تخّوف الحكومة التركية بأن تستطيع قوات سوريا الديمقراطية الكردية أن تؤسس دولتها الموحدة في شمال شرق المنطقة الشرقية السورية التي سوف تمتد على كامل الحدود السورية التركية، وبالتالي قامت بالتدخل العسكري في الشمال السوري سابقاً عن طريق عملية “درع الفرات” فقامت قوات المعارضة السورية بالسيطرة على مدن جرابلس والباب من خلالها، وبهذه السيرة تكون أنقرة قد فصلت ما بين الأكراد غرب الفرات والأكراد شرق الفرات.

ناهيك على أن الأكراد سيكونون حراس الولايات المتحدة الأمريكية على حقول النفط في البادية السورية، وسوف يتحكمون “إن نجحوا” في إمدادات النفط والغاز القادمة من إيران براً، الأمر الذي سيعطيهم قوة اقتصادية أكبر في المنطقة وهذا يزيد مخاوف أنقرة أكثر.

كما يجب أن لا نغفل المشروع الحلم لدولة قطر في مد انبوب الغاز من أراضيها إلى تركيا مرورا بالسعودية والأردن والبادية السورية.  سيطرة أي طرف آخر على المنطقة الشرقية غير تركيا أو أحد فصائل قوى المعارضة المدعومة من قطر يعني استحالة تنفيذ هذا المشروع تماماً.

إلى أين؟

“من يسيطر على البادية السورية، يحكم المنطقة”، إن نجاح روسيا وإيران ونظام الأسد بالسيطرة عليها يعني نصرا في الحرب وعمقاً استراتيجياً في المنطقة، وبقاء روسيا المسيطر الوحيد على امدادات الغاز الى الدول الأوروبية المتعطشة له.

أما نجاح قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، يعني إضعاف لقوى روسيا وإيران المتنامية وتحقيق توازن للقوى في المنطقة مع بقاء روسيا متواجدة على سواحل البحر المتوسط، اضافة الى نقل الصراع الاقتصاد الدولي بينهما إلى الداخل السوري، الأمر الذي سيزيد من التباعد بين أطياف الشعب السوري في شرق وغرب البلاد.

أما نجاح تركيا بإيقاف المد الكردي في البادية السوري يعني أملا أكبر في لعب دور استراتيجي أكبر في صناعة القرار، واحياء حلم إقامة مشروع نقل الغاز القطر إليها.

وبعد كل هذا الحديث عن القوى اللاعبة في المنطقة الشرقية السورية، والأهمية الاستراتيجية لها لانجد لأي طرف سوري للأسف دورا محوريا في صناعة أو التأثير على مستقبل هذا المنطقة السورية، وترانا مستمرين بالتحالفات والخلافات المتنامية فيما بيننا ناسين الهدف الأكبر، تاركين الساحة خالية لبقية القوى في أن تصنع وتملي علينا قراراتها وأفكارها.

ملهم الجزماتي

باحث في المنتدى الاقتصادي السوري

Related Posts

Comments are closed.