28/10/2015

الحصار القارس

الحصار القارس

المنتدى الاقتصادي السوري – 28 تشرين الأول/أكتوبر 2015 | 02:15 PM

إعداد الباحث محمد العربي البكري

مدينة حلب والتي عانت على مدى السنوات الثلاث الماضية من انعدام أبسط مقومات الحياة كالكهرباء والماء والاتصالات ولفترات متقطعة، حيث تحوي المدينة في الوقت الحالي كثافة سكانية كبيرة ضمن مناطق سيطرة النظام بسبب حالة النزوح التي حصلت من الأرياف والأحياء الاخرى تجنباً للقصف المتواصل التي تشهده المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، لازالت تعاني من ازمة تلو الاخرى وحصار تلو الاخر، وهي التي اعتادت ان تكون الثقل الاقتصادي في سوريا ومركزها الصناعي والتجاري.

حيث يعيش المواطن السوري حالياً حالة من الترقب والانتظار خوفاً من تكرار الحصار السابق الذي عانى منه سكان حلب في أواسط عام 2013، حين سيطر الجيش الحر في ذلك الوقت على جميع منافذ المدينة وبقي معبر وحيد يربط الطرفان هو معبر بستان القصر، وشهد القسم التابع للنظام في مدينة حلب آنذاك فقداناً كبيرا للمواد والسلع الاستهلاكية وارتفاعاً ضخماً في الأسعار، لم يتصدى النظام السوري له، وذلك بسبب إصراره على عدم فتح طريق نظامي تمر من خلاله الشاحنات والسيارات عبر ذلك المعبر.

فقد شهدت الاسواق التجارية وأسعار السلع المختلفة خلال الايام الماضية، ارتفاعا ملحوظاً في الاسواق المنتشرة في مدينة حلب ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، هذا الارتفاع الملحوظ سببه حالياً، سيطرة تنظيم “داعش” على الطريق الوحيدة التي تربط مدينة حلب بالمحافظات السورية الاخرى، حيث تم فرض حصاراً خانقاً على تلك المناطق ولم يعد هناك أي معبر اخر يربط مدينة حلب بالمناطق المحيطة بها.

فطريق أثريا خناصر والذي يعتبر الشريان الذي تتنفس منه مدينة حلب، يبلغ طوله حوالي 60 كم ويقطعه حواجز تابعة للنظام السوري تمت السيطرة عليها خلال الاسبوع الماضي، من قبل التنظيم، ولم تكاد تنتشر أخبار إغلاق الطريق حتى بدأ التجار برفع الأسعار بشكل جنوني وبدأت تنقص السلع والمواد من الأسواق مما دفع المواطنين باستشعار حالة من الخوف والانتظار.

وحسب مراقبين ضمن موقع شاهد عيان فإن الأسعار بدأت ترتفع بشكل ملحوظ عقب ساعات من إغلاق الطريق حيث وصل سعر كيلو البندورة إلى 200 ليرة سورية والفروج 1350 ليرة سورية، كما لوحظ انخفاض كمية المحروقات ضمن الكازيات وبدأت ترتفع الأسعار حيث وصل سعر ليتر البنزين ل 300 ليرة سورية لليتر الواحد ضمن السوق السوداء بينما يبلغ سعره النظامي في الكازيات 163.5 ليرة سوريا، وذات الارتفاع شهدته مادة المازوت والتي تعتبر المحرك الأساسي للحياة ضمن المدينة بسبب اعتمادها الكامل على مادة المازوت في تشغيل مولدات الكهرباء وخاصة المشافي والأفران، أما مادة الغاز والتي كانت مصدر الرعب الدائم لدى سكان المدينة خوفاً من فقدانها، فقد ارتفع سعر جرة الغاز ليصل لمبلغ 4000 ليرة سورية، خصوصاً مع دخول فصل الشتاء واعتماد عدد كبير من السكان على مادة الغاز في التدفئة.

ودائماً ما توجه أصابع الاتهام للفصائل العسكرية المختلفة بسبب سيطرتها على طرق الامداد وحصار المدنيين، إلا أن هذه المرة فمعظم الإشارات توجه لتجار الأزمات، ومن خلفهم النظام السوري، حيث أن مدينة يقطنها أكثر من مليون ونص المليون إنسان، وعلى مدى عامان من الطرق المفتوحة نحو المدينة فهل يعقل خلال فترة أيام بل ساعات، تبدأ السلع والمواد بالاختفاء من الأسواق والأسعار ترتفع لأضعاف، فهل من المعقول عدم وجود مستودعات ومخازن لدى التجار أو لدى النظام السوري بهدف مواجهة الحصار، خاصة وان المدينة مرت سابقاً بهذه التجربة وتبقى الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها.

و حالياً فإن النظام السوري وتجار الازمات هما المتهمين الرئيسين كمسببين للأزمة في مدينة حلب، ففي جميع الدول عند حدوث أي كوارث أو حروب، تتصدر حكومات تلك الدول للأزمة وتقوم بدورها الرقابي على الأسواق وتمنع الاحتكار، كما تقوم بملاحقة تجار الأزمات وضبط الأسعار في الاسواق، وتأمين المواد الأساسية للمواطنين، كيلا تترك قوت الشعب واحتياجاته اليومية محكومة بيد هؤلاء التجار.

السيناريوهات المتوقعة

بعد مرور أيام من الحصار على القسم الغربي لمدينة حلب والواقع تحت سيطرة النظام السوري، بدء هاجس الخوف يرتفع لدى السكان، وخاصة فيما يخص مدة هذا الحصار وإمكانية جيش النظام إعادة فتح الطريق مرة اخرى، ولذا بناء على المعطيات العسكرية السائدة ومن وجهة نظر اقتصادية، يمكن تلخيص السيناريوهات المتوقعة بالبنود التالية:
السيناريو الأول، وهو الأقرب للتحقق هو إرسال النظام لرتل عسكري من مدينة حماة نحو طريق خناصر بهدف السيطرة على الطريق مرة أخرى، كونه يعتبر حالياً الطريق الوحيد الذي يربط وسط سوريا بشمالها، وكونه هناك عمليات عسكرية مستمرة على عدة جبهات للنظام السوري، فسيكون لزاماً عليه إعادة فتح طريق الإمداد العسكري ومنه من الممكن ان تعود الحركة الاقتصادية للطريق مزامنة مع الحركة العسكرية، أما السيناريو الاخر فهو محاولة النظام السوري بحال فشله في إعادة السيطرة على طريق خناصر، فتح طريق أخر كأوتوستراد حلب دمشق الدولي، ولكن هذا الخيار مستبعداً كونه هكذا عمل عسكري يتطلب عتاداً عسكريا وبشرياً ضخماً، وفترة زمنيه طويلة وذلك بسبب طول المسافة الخارجة عن سيطرة النظام السوري.
وفي سيناريو ثالث وهو متوقع نوعاً ما، سيتم الاتفاق على فتح معبر بين المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام السوري، ومناطق سيطرة الجيش الحر، في ظل قيام الميلشيات الكردية بفتح معبر ضمن منطقة “الشيخ مقصود” مع مناطق النظام السوري، ولكن بشكل خجول نوعاً ما وفقط للمواطنين العابرين مشياً على الاقدام، وهذا السيناريو يعيد للأذهان الحصار السابق الذي تعرضت له مدينة حلب في ظل وجود معبر بستان القصر المسيطر عليه من قبل قوات الجيش الحر،
وفي حال استمرار الحصار لفترة زمنيه طويلة، قد يبدأ سيناريو رابع يلوح في الافق، ألا وهو الاتفاق على هدنة وفتح معابر إنسانية، بإشراف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، ولكن هذا السيناريو يعتبر بعيداً نوعاً ما كون الحصار لازال ضمن أيامه الأولى، وغير واضح المعالم.
وفي ظل تلك السيناريوهات المتوقعة، يبقى السيناريو الحاصل حالياً هو الواقع وهو الذي سيتوجب على سكان مدينة حلب التعايش معه، في ظل دخول فصل الشتاء والذي على ما يبدو سيكون شديداً وصعباً على المواطنين، إلا أنه ومن وجهة نظر المنتدى لازال من المبكر الحديث عن أزمة اقتصادية ومعيشية ضمن المدينة، كون الحصار لازال حديثاً ومن المؤكد انه هناك مستودعات ومخازن كبيرة يملكها التجار، وأيضاً لابد من وجود خطة بديلة لدى النظام السوري في ظل قيام مثل هكذا ازمات ضمن المدينة.

Related Posts

Comments are closed.