30/09/2015

عام ونصف على إعلان تنظيم “داعش” دولته

عام ونصف على إعلان تنظيم “داعش” دولته

المنتدى الاقتصادي السوري – 30 أيلول/سبتمبر 2015 | 03:30 PM

عن مجلة نيوز وييك

إعداد الباحث محمد العربي البكري

عندما تم الاعلام عن قيام مايسمى الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش”، قامت مجموعة من قيادات التنظيم بإطلاق وعود بأنها الدولة المنشودة، الدولة التي ستنصر المسلمين المظلومين وترعى الفقراء والأيتام والأرامل، الدولة الإسلامية التي ستحكم وفق الشريعة الاسلامية، وتسمح للناس بالعمل وكسب قوتهم ضمن أجواء من الأمان ورغد العيش.

فاندلعت الاحتفالات في شوارع مدينة الرقة في سوريا، عاصمة تنظيم داعش، والآن بعد مرور 15 شهراً على ذكرى إعلان قيام الخلافة المزعومة، صدم التنظيم وعناصره بواقع مخالف للتوقعات والآمال المنشودة، وصعوبة تحقيق الوعود التي أطلقها قادتهم حين تأسيس التنظيم، وخاصة الوعود الاقتصادية منها، حين قال التنظيم: نحن نعرف الفقراء، وسوف نساعدهم ونمنحهم حياة كريمة، ولكن أياً من تلك الوعود لم تتحقق، حيث يعاني التنظيم من مشاكل كبيرة داخل دولته.

من خلال تتابع الأحداث التغيرات غير المتوقعة على الأرض، بما فيها انخفاض أسعار النفط وكثافة الضربات الجوية التي تشنها طائرات التحالف على مقاتلين التنظيم والمنشآت النفطية، الذي أدى إلى انخفاض إيرادات التنظيم. فرض تنظيم داعش عدد من الضرائب على مايقارب 7 ملايين نسمة يعيشون تحت إدارة التنظيم، حيث أكد العديد من الخبراء والسكان الذين يعيشون ضمن مناطق سيطرة داعش أنه هناك هجرة مستمرة لأصحاب الخبرات والاختصاص لخارج سيطرة التنظيم. بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من القوانين التي تقيد عمل المرأة، مما عرقل دوران عجلة الاقتصاد التابع للتنظيم. تسببت تلك العوامل مجتمعة بظهور فجوة واتساعها بشكل ملحوظ بين مقاتلي داعش والسكان العاديين، ضمن مناطق سيطرة التنظيم، وظهرت حالة من إنعدام المساواة مما خلق نوع من الاستياء لدى السكان المحللين على إدارة تنظيم داعش لبلاد.

تحدث أحمد (طبيب يبلغ من العمر 30 عاماً من الموصل) أن الشعب في مدينته يكافح لدفع الضرائب والعقوبات المالية التي يفرضها التنظيم على سكان المدينة، التكاليف مرتفعة مقابل الخدمات المقدمة من صحة ونقل، وقد شهد قطاعا الكهرباء والمياه ارتفاعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة. فالضرائب التي تفرض على رواتب موظفي الحكومات المركزية القائمة في كلاً من دمشق وبغداد، أحد مصادر الدخل التي يعتمدها التنظيم، حيث تصل نسبة الضرائب حتى 50 % حسب تقديرات بعض الخبراء، وقد استطاع التنظيم تحصيل ملايين الدولارات من تلك الضرائب.

مع اقتراب فصل الشتاء، يعاني ملايين الناس تحت سيطرة تنظيم داعش، من غلاء أسعار المواد الغذائية والوقود، إضافة للانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، قبل سيطرة التنظيم بلغ سعر لتر الوقود حوالي 30 سنت، أما الآن سعره يبلغ حوالي 2 دولار، وارتفع سعر جرة الغاز المستعملة للطبخ من حوالي 5 دولار ليصل سعرها الآن حوالي 25 دولار.

كما استغل التنظيم الشريعة الإسلامية وفرض الزكاة على المواطنين وتبلغ قيمتها 2.5 % من الدخل، وجميع السكان المسلمين ملزمون بدفعها، وخلافاً لوعود التنظيم لايتم توزيع تلك الأموال على المحتاجين، كما يقول سعيد، وهو مواطن سوري يعيش في مدينة الرقة. كما تحدث أبو إبراهيم الرقاوي (طالب سوري في كلية الطب وأحد مؤسسي حملة الرقة تذبح بصمت) أن الفقراء يزدادون فقراً في ظل دولة الخلافة، بينما يتمتع مقاتلو التنظيم والذين يأتون من غير دول، بظروف معيشية مريحة نسبياً، حيث أكد أبو ابراهيم الرقاوي أنه هناك نوعان من الحياة ضمن مدينة الرقة، الأجانب أصبحوا هم السكان المقيمين، وأصبح المقيمون هم الأجانب، وأضاف أنه ليس بمقدور السكان المحليين ارتياد مطاعم الوجبات السريعة أو مقاهي الانترنت، لأن تلك الأماكن تستخدم بشكل شبه حصري من قبل مقاتلي التنظيم، والذين لايدفعون أي ضرائب على رواتبهم، كما أكد أبو إبراهيم الرقاوي.

وصرح أحمد الذي يقيم في مدينة الموصل، أن عناصر التنظيم يعيشون نمط حياة غربية فاخرة، فهم يقيمون في فندق نينوى الدولي ذو الخمسة نجوم، أو ضمن فيلات الأثرياء الذين غادرو المدينة، تتوفر لهم جميع خدمات الكهرباء المجانية والمرافق الطبية والخدمية بشكل دائم، بينما لايحصل السكان المحليين سوى على ساعتان من الكهرباء يومياً.

بالرغم من انخفاض إيرادات التنظيم، إلا أنه يستمر بدفع رواتب مقاتليه المرتفعة نسبياً، حيث تبلغ ذروتها مبلغ 1000 دولار شهرياً لبعض المقاتلين الأجانب، وفقاً لوزارة الخزانة الأميركية، وبناء على ذلك فإن كتلة رواتب مقاتلي التنظيم قد تكلفهم حوالي 360 مليون دولار سنوياً، وحسب منظمة رند، وهي منظمة غير ربحية مقرها كاليفورنيا، أن قيمة إيرادات التنظيم خلال عام 2014، بلغت حوالي 1.2 مليار دولار، 500 مليون دولار منها، كانت على شكل إيرادات غير متوقعة سرقت من البنوك التابعة للحكومة العراقية.

إن الانفاق المرتفع على الرواتب الذي يدفعه التنظيم لم يكن مفاجئاً للسيد “توم كيتينغ” مدير مركز الرجيمة المالية والدراسات الأمنية في معهد الخدمات الملكية، وهو مؤسسة بحثية مقرها لندن، أكد السيد توم أن دعم مقاتلي التنظيم الذين يعتبرون عصب الدولة يعتبر أولوية لقيادات التنظيم، لأن المقاتلين يعتبرون قلب التنظيم النابض، ومركز قوت.، لقد ملك أموالاً كبيرة في البداية، تم جمعها من السرقات خلال السيطرة على المدن، ولكن الأسئلة التي تطرح الآن، كم أنفق التنظيم خلال الوقت السابق؟ وخاصة أنه كان يملك أموالاً مسروقة كإيرادات غير متوقعة، بينما الآن في حال عدم وجود أي إيرادات جديدة، كيف سيمول التنظيم نفقاته؟ حيث أنه من المؤكد أن التنظيم قد أنفق معظم احتياطياته في الفترة السابقة، كما قال السيد توم.

إن المجموعة الوحيدة التي بإمكانها مساعدة التنظيم على التنمية الاقتصادية، طبقة الخبراء الاقتصاديين الذين هاجر معظمهم من مناطق سيطرة التنظيم نحو أجزاء أخرى من سوريا أو العراق، أو نحو الدول المجاورة كلاجئين، حيث تعرض التنظيم لهجرة كبيرة للأدمغة من مناطق سيطرته. كما شهدت مناطق سيطرة التنظيم فرار معظم الاطباء، وأصبحت الخدمات الصحية سيئة للغاية، إضافة لذلك وبسبب التطرف الديني الحاصل ضمن مناطق سيطرة التنظيم، الذي يمنع المرأة من العمل، إلا في مجال تدريس الإناث أو مجال التمريض، أو في محلات بيع المستلزمات النسائية، أما في بقية القطاعات فلا يسمح للنساء بالعمل، حيث أن دراسات الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، أكدت سابقاً أنه أحد أهم عوامل النمو الاقتصادي، هو مشاركة المرأة كقوة عاملة، وهذا مايمنعه التنظيم ضمن دولته المزعومة.

في وقت سابق صرح التنظيم عن ميزانية تلبغ حوالي 2 مليار دولارسيتم صرفها على أجور للفقراء والمعاقين والأيتام.

أشارت شخصيات في الحكومة العراقية في العام الماضي، أن تكلفة صيانة الخدمات العامة ضمن المناطق التي تقع تحت سيطرة التنظيم في العراق، تبلغ حوالي 2 مليار دولار، ففي حال صحة تلك الارقام، فإن ذلك يعني أنه لم يتبقى أي موازنة لصرفها على المناطق التي تسيطر عليها داعش ضمن الأراضي السورية.

كما أنه هناك إشارات أخرى على التخبط في اقتصاد التنظيم، منها الإعلان في 29 أب عام 2015، عن ظهور عملة التنظيم الجديدة، والتي سموها الدينار الذهبي، تعتمد على القيمة السوقية للمعادن الثمينة، والتي من شأنها كما ورد في الإعلان كسر هيمنة النظام الرأسمالي الأميركي على النظام الاقتصادي العالمي، إلا أنه بعد شهر من الاعلان لاتزال داعش تدفع رواتب مقاتليها بالدولار الأميركي.

هل تؤدي تلك التحديات التي تواجه النموذج الاقتصادي للتنظيم إلى زوال ذلك التنظيم أو انهيار نظام حكمه؟ ليس بالضرورة، هذا ماأكده “بين بهني” وهو محلل للسياسات الدولية في منظمة رند، لأن انفاق داعش هو منخفض نسبياً، فالتنظيم لا ينفق على شيء باستثناء الرواتب، فلا توجد لديه أي بنية تحتية، أو برامج إجتماعية، إلا أن التنظيم سعيد بذلك الأسلوب من الإدارة، والذي يشبه إلى حد كبير اسلوب حكم حركة طالبان في افغانستان في تسعينيات القرن الماضي، فسيطرة قانون التنظيم بشكل كامل، يتطلب الهيئات والأسلحة أكثر بكثير من البناء والتطوير.

ختاماً، يجب على سكان الموصل والرقة الاستعداد لفصل شتاء ثان صعب تحت حكم تنظيم داعش، من أجواء باردة وأسعار وقود وغذاء مرتفعة، والذي سيسبب بؤساً كبيراً للسكان. وبالرغم من العيوب الكثير التي تسيطر على النظام الاقتصادي لداعش، إلا أن أكثر الفئات التي تعاني من تبعات تلك العيوب وتسلط قادات التنظيم هم السكان المحليين الذين لاقدرة لديهم على أي تغيير أو أي استفادة من وجود هذا التنظيم.

المقال بالانكليزية

Related Posts

Comments are closed.